"نتفليكس" تُنقذ البشرية بالعنف: حرسٌ قديمٌ وشرّ دائمٌ

22 يوليو 2020
الصورة
تشارليز ثيرون: "خالدة" لإنقاذ البشرية من موتها (باسكال لو ساغروتان/Getty)

البطولة والخير الأميركيان فاعلان في النتاج السينمائيّ الهوليوودي، و"نتفليكس" تساهم في الترويج لهما أكثر فأكثر. "الحارس القديم" (2020) لجينا برنس ـ بايثُوود (بدءاً من 10 يوليو/ تموز 2020، على شاشة هذه المنصّة الأميركية) نموذج جديد لفكرة البطولة والخير الأميركيين، اللذين ـ لتحقيق أهدافهما ـ "يُضطرّ" المناضلون من أجل تعميمهما في العالم إلى ممارسة عنفٍ، يتجاوز أحياناً كلَّ متوقَّعٍ. الخلود البشريّ فكرة راسخة في صناعة الفنّ الهوليوودي أيضاً. الشعور بالذنب إزاء قتلٍ وقمع وتعذيب حاضرٌ بدوره في تلك الصناعة. يُمارَس العنف في أوقاتٍ كثيرة، لكنّ ظهور طفلٍ أو مراهِقة يحول، غالباً، دون الاستمرار في ممارسته، خصوصاً إنْ ينتمي الطفل أو المراهِقَة إلى جنسيات أو إثنيات أو أعراق أو أصول "غير أميركية"، وتحديداً شرق أوسطية أو آسيوية أو أفريقية، فالعنصرية الهوليوودية تنعكس، من وقتٍ إلى آخر، في إبراز حسّ إنسانيّ غير موصوف لجندي أميركي إزاء أناسٍ منتمين إلى تلك الجغرافيا والأصول.

"الحارس القديم" (The Old Guard) يتمثّل بـ4 "جنودٍ خالدين"، ينتقلون في الأزمنة والأمكنة لإنقاذ البشرية من طغيان الشرّ، والعنف بالنسبة إليهم مُلحّ وضروري للغاية في مواجهة تنانين القتل والقمع والهرطقة والتجارة والمال والطبّ وغيرها. هؤلاء الـ4 أساسيون، وآخرون ينتشرون هنا وهناك، والحلم/ الكابوس وسيلة تواصل غير واعٍ بينهم. يُصابون بجروح خطرة، لكنّهم يُشفَون سريعاً، وبعد حين هناك من يصعب التئام جروحه، فتبدأ رحلة الموت، لسببٍ يجهلونه، كجهلهم سرّ خلودهم.

الانتقال في الأزمنة والأمكنة، منذ سنين طويلة وفي جغرافيات عدّة، يهدف إلى تحقيق أمرين اثنين: القضاء على الشرّ بشتّى الوسائل، وإنقاذ من يُصبح لاحقاً "مُفيداً" للبشرية، بعلمه وعبقريته وأفكاره وحساسيّته الإنسانية. الخلود صفة الجنود الـ4 والذين يُشبهونهم، فالخلود حاجة لأنّ البشرية، منذ ولادتها، تعاني كثيراً بسبب الشرّ وأفعاله. يخوضون معارك، ويُشاركون في حروب. يُسافرون في الجغرافيا والزمن. يلتقون أناساً متناقضين للغاية، بين شرّ قاتل وخير فعّال يصلح لخلاص البشرية من خرابٍ يُراد لها دائماً. هم غير خائفين. بطولاتهم منبثقة من شجاعةٍ معطوفة على حسّ إنسانيّ كبير، ففي "الحرس القديم" ثرثرات مطوّلة عن الخشية من الوحدة والرغبة في الخلاص والراحة، وعن الرعب إزاء بشاعة الدنيا والمجتمعات والناس. القتل مفيد، لكنّه يؤدّي إلى تأنيب ضمير. هذه سمة هوليوودية بامتياز، تُسوَّق غالباً بحرفية سينمائية متينة الصُنعة والجذب.

لبنان في قعر الانهيار: أوطنٌ هو أم فندقٌ أم قبرٌ؟

في مُقدّمة المشهد، هناك الأميركية تشارليز ثيرون (آندي/ أندروماك دو سكيثي) والبلجيكي ماتياس شونارتس (بووكر/سيباستيان لو ليفر). إليهما، ينضمّ الهولندي (التونسي الأصل) مروان كنزاري (جو/ يوسف القيساني) والإيطالي لوكا مارينلّي (نيكي/ نيكولو دي جينوفا). لاحقاً، يعثرون على الجندية الأميركية نايل فريمان، التي تؤدّيها الأميركية كيكي لاين. الـ4 الأُوَل يشكلون فريقا متماسكا، تربط بين أعضائه صداقات مديدة، تتجاوز مئات السنين أحياناً. لكنّ بووكر مُتعَب. شعوره بالوحدة قاتل. قلقه كبيرٌ إزاء وداعه معارف وأصحاب يذهبون إلى الموت. يريد سكينة، فيلجأ إلى خديعة، متعاوناً مع جيمس كوبلاي (شويتال أجيوفور)، العميل السابق في "وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية"، الذي يُلاحق الفريق لمعرفة سرّ خلود أعضائه، مموِّلاً مطارداته إياهم من حساب ستيفن ميرّيك (هاري ميلّينغ)، أصغر مدير تنفيذي لأكبر شركة تصنيع أدوية، يرى في اكتشاف سرّ خلودهم أرباحاً طائلة لسنين طويلة مقبلة (صراع من نوعٍ آخر بين خير وشرّ).

الصراع بين كوبلاي، المتألم لموت زوجته بسبب مرضٍ سرطاني، وميرّيك، المتعجرف والرأسماليّ الجشع، يبدأ بطيئاً وهادئاً، قبل انفجاره في منتصف الأحداث تقريباً، ما يدفع الأول إلى مساعدة الخالدين في القضاء على الثاني. كوبلاي يريد سرّ الخلود لإنقاذ البشرية من أمراضٍ وموتٍ، لكنّ هدفه الإنساني (!) مُصابٌ بعطب المال، فميرّيك غير مكترثٍ بهذا، لشدّة هوسه بالأرباح والشهرة. يُكلِّف كوبلاي فريق الخالدين بمهمّة، تنكشف الخديعة فيها سريعاً، فتبدأ مطاردة هؤلاء للعميل الاستخباراتي السابق، بعد العثور على نايل، و"خطفها" من فرقتها العسكرية المرابضة في أفغانستان، قبيل لحظات على ترحيلها إلى أوروبا، لأنّ الجميع يُصابون بالهلع، إذْ تُشفى جروحها الخطرة للغاية بسرعة فائقة، ما يُثير دهشتهم وخوفهم.

مُطوّلات بصرية لا طائل منها، في فيلمٍ تبلغ مدّته 125 دقيقة. بعض المُطوّلات ثرثرات تنظيرية مملّة عن الوحدة والذنب والخطأ والخطيئة والرغبة في الخلاص والتحرّر من الخلود، رغم استحالة ذلك. مشاهد القتال العنفيّ والمطاردات لا جديد فيها. التمثيل عاديّ، رغم حِرفيته المهنيّة. بعض السخرية مُحبَّبة، ولقطات عدّة مُثيرة لضحكٍ عابر، من دون أي فائدة كوميدية أو ساخرة. إمكانية تحقيق جزء ثانٍ من "الحرس القديم" يوحَى بها في لقطات أخيرة. السيناريو (غريغ روكا) مقتبس من "كوميكز" بالعنوان نفسه لروكا نفسه ولياندرو فرنانديز. التصوير (باري آكرويد وتامي رايكر) حِرفيّ للغاية، لكنّه أعجز من أنْ يُسحِر بجماليات فنية. خطابه الإنساني (!) أيديولوجيٌّ نافر ومُكرَّر.

"الحرس القديم" امتدادٌ لسلسلة أفلام هوليوودية (تستكملها "نتفليكس" بين حينٍ وآخر)، تبغي العنف وسيلة لإنقاذ الخير من براثن الشرّ، ولا بأس بتضحيات جانبية بأبرياء، فالهدف "نبيل" و"سام".