"مي تو" ونهاية نوبل

26 يوليو 2018
الصورة
(من أمام "الأكاديمية السويدية"، تصوير: جوناتان ناكستاند)
+ الخط -

نشرت صحيفة "غارديان" الأسبوع الماضي أوّل تحقيق مفصّل بالإنكليزية عن تأجيل "جائزة نوبل للآداب" لعام 2018 إلى العام المقبل، وهو الخبر الذي فاجأت "الأكاديمية السويدية" العالم بإعلانه بداية أيار/ مايو الماضي.

يعود التأجيل، كما يكشف كاتب التحقيق، الصحافي الإنكليزي المقيم في السويد أندرو براون، إلى قرار "مؤسّسة نوبل" حجبَ جائزة الآداب إلى أن "تُنظّف الأكاديمية نفسها".

المؤسّسة، ومنذ إنشائها في 1900 تبعاً لوصية مخترع الديناميت ألفريد نوبل، هي المتحكّمة في أموال الجائزة بمختلف فروعها. لكنّ الجهة المنوط بها اختيار الفائز في فرع الآداب هي "الأكاديمية السويدية" التي أسّسها الملك غوستاف الثالث عام 1786، وهي تتكوّن من 18 عضواً لا يتبدّلون إلا بموتهم.

ما كان ليخطر لأحد أن تقع صفوة الوسط الأدبي السويدي متمثّلة في أعضاء الأكاديمية في طريق حملة "مي تو" (أنا أيضاً) التي انطلقت من هوليوود خريفَ 2017. قيل وقتئذ إن المنتج السينمائي هارفي واينستاين - أوّل ضحايا الحملة - قد استعان بعملاء للموساد للتغطية على جرائمه الجنسية عبر السنين، ما أبرز اقتران العنف الجنسي، ليس باستغلال سلطة رأس المال فحسب، وإنما أيضاً بمنظومة استعباد عابرة للقارّات.

لكن ما علاقة ذلك بجائزة نوبل؟ قد يُقال إن "الأكاديمية السويدية" تتجاهل الأدب غير الأوروبي، أو إن اختياراتها مسيّسة أو محافظة، لكن ذلك لا يعني إمكانية مقارنة ما يحدث في أروقتها بما يحدث في فنادق هوليوود.

الواقع أن اتهامات جنسية وُجهت إلى المصوّر الفوتوغرافي الفرنسي جون - كلود أرنو، زوج عضو الأكاديمية الشاعرة كاتارينا فروستينسون، وأحد المستفيدين من أملاك الأكاديمية وأموالها بالفعل. نشرت صحيفة "داغنس نيهتير" السويدية شهادات 18 امرأة تعرّضن لاعتداءات من قِبل أرنو وقع بعضها في عقارات تملكها الأكاديمية، وأدّى ذلك إلى محاكمة أحد أعمدة المشهد الثقافي السويدي في واقعتَي اغتصاب.

كما أُثيرت أسئلة عن استحقاق النادي الثقافي الذي يُديره وزوجته في استوكهولم للدعم الذي يتلقّاه من الأكاديمية، وعن ضلوعه في تسريب أسماء الفائزين بنوبل للآداب قبل إعلانها، ومن ثمَّ حصوله على مكاسب غير شرعية من الرهانات التي تُعقَد على أسماء المرشّحين المفترَضين في باريس.

في غضون ذلك، أعلنت سارة دانيوس، سكرتير الأكاديمية، أنها تعرّضت شخصياً إلى اعتداءات جنسية من أرنو، وقادت حملةً لعزل فروستينسون وقطع كلّ صلةٍ بالنادي الثقافي الذي يديره الزوجان، فما كان من عضو الأكاديمية المؤرّخ هوريس إينغدال إلا أن طالب بعزل دانيوس نفسها، مدافعاً عن الزوجَين ونشاطهما.

وسرعان ما تسبّب الخلاف في انسحاب ستّة أعضاء. وحيث إنه لا يجوز استبدال عضو ما دام على قيد الحياة، وبما أن انتخاب سكرتير جديد يستلزم اكتمال النصاب باثني عشر عضواً، فقد شُلّت أعمال "نوبل للآداب"، حتى أن الملك كارل السادس عشر غوستاف، راعي الأكاديمية، أعلن نيّته تعديل اللوائح لتسمح بإبدال أعضاء في حياتهم.

هكذا طاولت "مي تو" أشهر جائزة أدبية في العالم، وهو ما يُعدّ نصراً، ليس للنسوية وحدها ولكن للصوابية السياسية والأدبية. فحتى إذا تجاوز الأعضاء الثمانية عشر أزمتهم الراهنة، لن تعود الأكاديمية إلى ما كانت عليه. ستكون لها لوائح جديدة، وسينظر إليها المجتمع الأوروبي نظرة مختلفة، وقد يخفت بريقها في سائر بلدان العالم.

لكن بصرف النظر عن شماتة كاتب عربي مستبعَد سلفاً من جائزة تُمنَح بأريحية لمغنٍّ أميركي، يبقى السؤال مطروحاً حول ما يعنيه هذا النصر بالنسبة للكتابة، والمرأة. فعلى الرغم من الصراع بينهما، هناك قاسم مشترك بين الأكاديمية السويدية و"مي تو".

كلاهما مقتصر على جماعة بشرية وثقافة واحدة. كلاهما يتجاهل القسم الأكبر من التجربة الإنسانية المعاصرة؛ فكما تستبعد نوبل آداب الهند وأفريقيا لا تُعنى "مي تو" بنساء يقهرهن الفقر والمعتقدات وتغيّبهن شروطٌ لا يمكن اختزالها في "هاشتاغ".

دلالات

المساهمون