"موسم أصيلة الثقافي": موسيقى الشعوب وذاكرة مسيّجة بالإهمال

09 يوليو 2018
الصورة
(القنبوس، آلة وترية جلبها مسلمو أندونيسيا وماليزيا إلى اليمن)
+ الخط -

عند دخول جيش الاحتلال الأميركي إلى بغداد، جرى إحراق آلاف التسجيلات النادرة التي توثق لتاريخ الموسيقى العراقية، حيث تعود بدايات تسجيل الأغاني في العراق إلى العشرينيات من القرن الماضي، لكن هذا الأرشيف الشاهد على الثقافة في بدايات العراق الحديث اختفى إلى غير رجعة، فكيف يمكن التعامل مع هذه الخسارة التي ليست أقل من فقدان قطعة عزيزة من الذاكرة الجمعية؟

هذا ليس إلا مثالاً واحداً عما تتعرّض له الذاكرة الموسيقية في ظل بلدان مضطربة أو محتلة أو حتى مستقرة ولكن يغيب عن مؤسساتها الرسمية أهمية فعل التوثيق، وضرورة الحفاظ على الذاكرة الموسيقية وارتباطها بالروح الشعبية والتاريخ الوطني والهوية. فكيف إذا فكرنا بما يحدث لهذه الذاكرة في اليمن وسورية وفلسطين وغيرها من البلدان.

هذه الأفكار وغيرها كانت موضع البحث في المؤتمر الذي عقد مؤخراً في مدينة أصيلة المغربية بعنوان "صون الثقافات الموسيقية وانتقالها في عالم الإسلام"، والذي كان جزءاً من الدورة الأربعين لموسم أصيلة الثقافي الدولي الذي يتواصل حتى العشرين من الشهر الجاري.

التكنولوجيا ودورها في حفظ الأرشيف الموسيقي، كانت محوراً أساسياً في مداخلات المؤتمر؛ عن ذلك يقول الباحث المتخصص في الموسيقى الإثنولوجية جان لامبير، في حديث لـ "العربي الجديد"، إن الأرشيفات الصوتية والموسيقية تشكل ذاكرة حقيقية للشعوب العربية والإسلامية، لكنها للأسف محاطة بالإهمال، ويؤكد على "ضرورة توظيف التكنولوجيات والتقنيات الحديثة في الأرشفة الصوتية والموسيقية، وتسهيل مهمة الحفاظ على موروث يحمل قصة شعوب بأكملها".

من جهته، يرى المدير السابق في "مركز الموسيقى العربية والبحر المتوسط" في تونس، أنس غراب، أنه ومع بداية الألفية الثالثة، فإن هناك تحديات بالنسبة للتراث الموسيقي العربي والإسلامي، تتعلق "بالوثائق السمعية والسمعية البصرية، التي تشتت بين المؤسسات وبين الباحثين".

ويوضح لـ "العربي الجديد"، أن هذا الإشكالية تفرض اليوم "تسهيل التواصل بين كل المؤسسات والباحثين والمختصّين في مجال الموسيقى العربية والإسلامية، بهدف مواجهة التحديات القادمة، والمرتبطة بشكل كبير بالتحليل الآلي لكل المعطيات الموسيقية التراثية".

لم يستبعد غراب أيضاً أن تكون نفس الأدوات الحديثة التي نستعملها لحفظ التراث، وسائل لتدميره؛ موضحاً "كان المختصون يعتقدون هذا الأمر في بداية القرن العشرين، لكن مع نهايته تبيّن أن طريقة التدوين التي اعتمدوها آنئذ، أضرّت كثيراً بجانب أساسي من التراث الموسيقي".

يتفق مع هذا الرأي الباحث في علم الموسيقى الإثنولوجية ياسر بوسلام، ويلفت إلى أن التطور التكنولوجي في جانب منه ليس في صالح التراث الموسيقي، الذي استطاع أن يبقى محفوظاً عن طريق التوارث؛ كما هو الأمر في المغرب. ويشير لـ "العربي الجديد"، إلى أنه مما أضر بالتراث الموسيقي، أن بعض "الإنتاجات الحديثة عملت على تقنية المزج بين أنماط موسيقية تقليدية وأخرى عصرية، وهذا ليس بالأمر الإيجابي".

المساهمون