"ملوك الطوائف" في مهرجان قرطاج... الواقع العربي بصياغة فنية

تونس
محمد معمري
17 يوليو 2019
كان لجمهور مهرجان قرطاج لقاء استثنائي بموسيقى الرحابنة في سهرتين متتاليتين، ليلتي الإثنين والثلاثاء الماضيين، من خلال مسرحية "ملوك الطوائف" لمنصور الرحباني (1925 ــ 2009). 


المسرحية ولّدت حالة من الدهشة والإعجاب لدى الجمهور الكبير الذي صفق طويلا لأبطالها، كما خلفت حالة من القلق حول ما يعيشه العرب الآن، من خلال عملية إسقاط سياسي لواقع مرّ من قرون، لكن العرب ظلوا يعيشونه رغم فارق التوقيت. فقصة المعتمد بن عباد، ملك إشبيلية (قام بدوره الفنان غسان صليبا)، واعتماد الروميكية (قامت بدورها الفنانة هبة الطوجي) ما يزال صداها يتردد إلى حدّ الآن، وكأن شيئا لم يتغير؛ فالفرقاء ملوك الطوائف ما يزالون يعيشون نفس الواقع اليوم، وإن بتمظهرات أخرى. المسرحية اعتمدت على الكوميديا السوداء من خلال عملية إسقاط تاريخي من الماضي البعيد على الحاضر؛ وهو ما تفاعل معه جمهور مسرح قرطاج الروماني بالتصفيق.

متعة بصرية استحوذت على الجمهور، من خلال لوحات راقصة مميزة، وأصوات غنائية هزت أركان المسرح الروماني لفنانين أجادوا أداء أدوارهم بشكل لافت. مسرحية "ملوك الطوائف" هي رحلة الألم بين الماضي والحاضر، وكأن التاريخ توقف في لحظة زمنية ما، هي لحظة الخذلان والفرقة والشتات من الأندلس إلى فلسطين اليوم.

يذكر أنه قبل عرض المسرحية للجمهور، انعقدت ندوة صحافية حضرها المخرج مروان الرحباني، وغدي وأسامة الرحباني المشاركان في التلحين والتوزيع، وهبة طوجي وغسان صليبا بطلا العمل، وتحدّثوا عن خصوصية ملوك الطوائف التي أنجزت قبل ستة عشر عاماً لتروي فترة من أبرز فترات تاريخ العرب، بقراءة تسقط الماضي على الحاضر وتستلهم العبر وتذكّر بالدرس الذي يتغافل الحكام عن مغزاه. كل واحد من هؤلاء الضيوف أبرز الدور الذي يلعبه في هذا العمل التاريخي الملحمي الضخم الذي، كما بيّن المخرج، غير مرحّب به في عديد الدول العربية، وهي ميزة تحسب لتونس ولمهرجان قرطاج بالطبع.

يقول مروان الرحباني: "قلما نرى مهرجاناً يستقطب مسرحيات غنائية تنتهج نقد السلطة وتفضح خباياها، هذا من ناحية، كما أنها في العموم تعتبر أعمالاً مكلفة. لا نعني أجور الممثلين والراقصين، وإنما الديكورات والأزياء والإضاءة وسائر المتممات الركحية، وليست كل المهرجانات قادرة على استقبال عمل بهذا الحجم".



في عام 2003، عُرضت مسرحية "ملوك الطوائف" لأولّ مرة في بيروت. عودة إلى الفترة التي ظهرت فيها دويلات صغيرة بين عامي 1023 و1091 على أنقاض الدولة الأموية في إسبانيا. يختار الرحباني أن يكون عدد الدويلات اثنتين وعشرين دويلة، يُظهرون أخوّتهم في العلن، بينما هم أعداء في الخفاء ويكيدون لبعضهم ويتسابقون على نيل رضا الملك ألفونسو السادس، ملك قشتالة، والذي بدوره يبتزهم فيفرض عليهم أموالاً بحجة دفاعه عن السلام، كما أنه يجبرهم على أن يقاتلوا إلى جانبه ويقاطعوا من يقاطعه. ويسرد تفاصيل السياسة والحكم من خلال التركيز على قصة حب تنشأ بين ملك إشبيلية المعتمد بن عباد (يؤدي دوره غسان صليبا)، واعتماد الرميكية (تؤدي دورها هبة طوجي) الخادمة التي أصبحت سيدة القصر، ورافقته سنوات طويلة حتى سقط حكمه ونفاه المرابطون إلى منطقة أغمات، حيث لازمته إلى رحيله.

تعليق: