"مقدّمات توفيق بكّار": كي لا تكون "المعاصرة" حائطاً

15 نوفمبر 2018
الصورة
(توفيق بكار)
+ الخط -

خلال كلمة له في تونس لتقديم روايته "جبل العنز"، أشار الروائي التونسي الحبيب السالمي إلى مفارقة طريفة جعلت النص المكتوب في الثمانينيات لا يصدر في طبعة تونسية إلّا في 2016.

ولذلك قصّة رواها السالمي بكثير من الإمتاع السردي، فحين قرأ الناقد توفيق بكّار العمل أُعجب به وقرّر أن يضع له مقدّمة كما يفعل مع نصوص سلسلة "عيون المعاصرة" التي كان يشرف عليها. بسبب هذه الحماسة، تأجّل نشر رواية السالمي قرابة عشرين سنة. كان مؤلّفها يسأل عنها بكّار سنة بعد أخرى فيطمئنه بأن المقدّمة مكتوبة في ذهنه، بل كان يستعرض له بعضاً من مقاطعها، لكنها لم تجهز بالشكل الذي يرضى عنه للنشر.

حكاية السالمي ومقدّمة روايته تصلحان مثلاً يُضرب في بعض النصوص النقدية التي يتوفّر فيها التجويد الأسلوبي بما لا يقل عن النصوص الأصلية، وكان ذلك حال "مقدّمات" توفيق بكّار.

إضافة إلى صدورها مع رواية "جبل العنز" عن "دار الجنوب"، صدرت المقدّمة مؤخّراً من جديد، عن نفس الدار في عمل جمع كل مقدمات بكّار، وهي "طبعة ثانية محيّنة" باعتبار أن المقدمات قد صدرت لأوّل مرة في كتاب سنة 2002، لكن بكّار واصل بعدها تقديم أعمال أخرى، فلم تكتمل المدوّنة إلا برحيله في 2017.

تبدو المقدّمات مرتبطة بتواريخ بعينها، لكن انتظامها جعلها تمسح قرابة نصف قرن من الأدب. وحين نقرأها مجتمعة قد نجد فيها ملامح من "تأريخ أدبي" يبدأ من 1969 بقراءة في قصّة "من وحي النجوم" لعلي الدوعاجي وصولاً إلى رواية "جحر الضب" لنور الدين العلوي الصادرة في 2017، وبينهما نعرّج على فنون أدبية مختلفة من مناخات تونس مع شعر صالح القرمادي أو الطاهر الهمامي إلى "موسم" الطيب صالح أو "موعد" فؤاد التكرلي.

لم يستسغ بعضهم علوّ النبرة الاحتفائية التي صحبت مقدّمات بكّار، لكن ما لا يُنكره أحد على صاحبها هو البراعة الأسلوبية، والقدرة على الإطراب وهو في مقام النقد والقراءة. ومن جانب آخر، بدت قدرة بكّار على شحن النصوص بالمعنى، مرّة حين يربطها بما يشبه حبل السرة مع المدونة التراثية العربية، ومرّات بما يأتي لها به من أدوات التحليل الأدبي الغربي يطوّعها ويذوّبها في النصوص كقطع السكر.

كان لمقدّمات بكّار دور عمليّ أيضاً، فقد أتاحت تقريب القرّاء من عوالم النصوص الحديثة بحيث لا تكون "المعاصرة" حائطاً يُرفع بين المؤلف والمتلقي. في 1992، صدرت طبعة "دار الجنوب" لكتاب "السد" لمحمود المسعدي مع مقدّمة بكار، ولهذا الكتاب موقع خاص في التاريخ الثقافي التونسي، فقد جعلت منه الدولة كتابَها، يُحتفى به طول الوقت وتحديداً لصعوبته اللغوية واستعصائه الفكري، حتى أنه وُضع ضمن برنامج البكالوريا ودوره أن يُغربل من يستحق دخول الجامعة ممن لا يمكن له أن ينتمي لاحقاً إلى "النخبة".

بدت مقدّمة بكّار وقد أنزلت النص من عليائه، فلأوّل مرة صار بإمكان القارئ أن يتناول "السد" بندية. هنا، نفهم بعضاً من الدور الذي كان يحبّ بكّار أن يلعبه، أن يسلّم النار من جبل الأولمب الذي يسكنه المؤلفون إلى القراء في سفوح الحياة اليومية.

المساهمون