"مركب رشيد" يعمق فشل سياسات السيسي

"مركب رشيد" يعمق فشل سياسات السيسي

23 سبتمبر 2016
الصورة
قتُل 42 شخصاً على الأقلّ بغرق المركب (العربي الجديد)
+ الخط -

بينما كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن إنجازات حكومته وجيشه في محاربة الهجرة غير الشرعية من أفريقيا ومصر إلى شمال المتوسط وإسرائيل، كانت وزارة الصحة المصرية تعلن وفاة 42 شخصاً على الأقلّ وإصابة ستة آخرين وفقدان عدد غير محدود من المصريين ومواطني الدول الأفريقية، في واقعة غرق مركب محمّل بالمهاجرين غير الشرعيين قبالة سواحل رشيد، بمحافظة البحيرة شمال مصر، يوم الأربعاء.

وكان السيسي قد استهلّ كلمته أمام الأمم المتحدة، بأنه "يودّ عرض الجهود الوطنية لتعظيم الفوائد الإيجابية للهجرة ومكافحة تهريب المهاجرين"، مشيراً إلى أن "الحكومة المصرية وضعت مسألة تطوير التشريعات ذات الصلة على رأس أولويات استراتيجيتها الوطنية لمعاقبة مرتكبي تلك الجرائم وتعويض الضحايا، علماً أنه صدر قانون مكافحة الاتجار في البشر في عام 2010، في وقتٍ بات الانتهاء من قانون لمكافحة الهجرة غير الشرعية قريبا".

وتحدث السيسي عما وصفه بـ"جهود مصر للتوعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية للشباب وإعادة تأهيل راغبي الهجرة والتعامل مع التحديات التي يواجهونها". وتحدث بفخر عن "الجهود التي تبذلها قوات الأمن والقوات المسلحة لتأمين الحدود البرية والبحرية وإحباط محاولات تهريب المهاجرين والقبض على العصابات لاتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم".

لكن الحادث الأخير في رشيد، كشف الهوة الواسعة بين الواقع وحديث السيسي، فعلى الرغم من أنه قدّم نفسه للدول الأوروبية خلال زيارته لفرنسا وألمانيا وإيطاليا تحديداً، على أنه القائد العربي الوحيد الذي يستطيع مدّ يد العون إلى أوروبا للحد من الهجرة غير الشرعية، باتخاذ تدابير أكثر صرامة على الحدود المصرية وتحويلها إلى مناطق مؤمنة تشبه الثكنات العسكرية، إلّا أن الجيش المصري وأجهزته الاستطلاعية ما زالت تفشل في ضبط الحدود على الوجه الأكمل، بما يزعزع ثقة الغرب في تعهدات السيسي.

وتكشف الأعداد الكبيرة التي تحدث المهاجرون الناجون من مركب رشيد عنها، باعتبارها كانت على متن المركب، التي تتراوح بين 300 و600 شخص، عن حجم القصور في سيطرة الجيش على الثغور البحرية، تحديداً غرب الدلتا التي تُعتبر القاعدة المفضلة لانطلاق المهاجرين غير الشرعيين.


كما تكشف هويات المهاجرين الناجين، ومعظمهم من السودان ودول أفريقيا جنوبي الصحراء، أن السيسي فشل في الحدّ من تدفق هؤلاء إلى مصر بعد أكثر من ثلاث سنوات اتّبع خلالها سياسة غلق الحدود الجنوبية والغربية، وشغل فيها الجيش بتأمين مناطق نفوذ المهاجرين غير الشرعيين.

ويستخدم السيسي صورته كقائم على تأمين سواحل جنوب المتوسط لحث الأوروبيين، تحديداً الإيطاليين والألمان، على ضخّ المزيد من الاستثمارات في مصر، بدعوى توفير فرص عمل للشباب الراغبين في الهجرة، هرباً من سوء الأحوال الاقتصادية وضيق سوق العمل.

كما يلوّح السيسي بمسألة إصدار تشريع للحد من الهجرة غير الشرعية في جميع المحافل الدولية التي يحضرها، كإجراء مهم سيؤدي لحلّ الأزمة، علماً أنه يتحدث عن هذا التشريع منذ تولّيه الرئاسة عام 2014. وقد اجتمع مسؤولون مصريون وإيطاليون لتبادل الخبرات التشريعية في هذا السياق، لإعداد مشروع قانون مصري لمكافحة هذه الظاهرة.

وعلى الرغم إعداد مشروع قانون بالفعل نشره "العربي الجديد" في يوليو/تموز 2015، حصل على موافقة مجلس الوزراء والمجلس المصري للشؤون الخارجية ولجنة الاقتراحات والشكاوى بمجلس النواب، إلّا أن المشروع يواجه عقبات منعت صدوره طوال الفترة الماضية.

في هذا السياق، كشف مصدر حكومي مطّلع عن أن "مساعي إصدار هذا القانون تراجعت بشكل ملحوظ بعدما خيم البرود على العلاقات الرسمية المصرية الإيطالية، على خلفية قضية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة في فبراير/شباط الماضي"، شارحاً بأن "الحكومة الإيطالية كانت مهتمة بحماسة لهذا القانون، وكان رئيس الوزراء ماتيو رينزي يعتبر في أحاديثه مع السيسي، أن تطبيقه هو حجر الزاوية لتطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين".

وأضاف المصدر أنه "منذ مغادرة السفير الإيطالي القاهرة، أهملت الحكومة المشروع بصورة واضحة، وكأنه كان موجهاً لمغازلة الإيطاليين تحديداً، رغم أهميته البالغة في تجفيف منابع مافيا تهريب الشباب المصريين واللاجئين الأفارقة، بعقوباته المشددة بالحبس والمكلفة مالياً أيضاً".

ويتضمن مشروع القانون الجديد عقوبات قياسية على راغبي الهجرة غير الشرعية ومن يقومون بتسفيرهم بالسجن ثلاث سنوات أو غرامة مليون جنيه، وإذا ترتب على نشاط الهجرة غير الشرعية وفاة أحد الراغبين تصبح العقوبة السجن 10 سنوات وغرامة لا تقل عن مليوني جنيه.

كما ينص المشروع على التعاون مع الحكومات الأجنبية في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية، عن طريق تبادل المتسللين وإعادتهم إلى بلدانهم، ويتيح أيضاً تدخل القوات المسلحة أو الشرطة لوقف عمليات التسفير غير الشرعية عن طريق البحر.

ونوّه المصدر الحكومي الذي حضر عدداً من اجتماعات إقرار مشروع القانون بمجلس الوزراء، إلى أن "الاهتمام الدولي، الأوروبي تحديداً، بإصدار هذا القانون يرجع إلى أن مصر باتت من القواعد المفضلة لممارسة أعمال الهجرة غير الشرعية في السنوات الأخيرة، بغض النظر عن أن المصريين ليسوا من الشعوب الخمسة الأولى في تصدير الهجرة غير الشرعية لأوروبا". وأوضح أن "السودانيين وأفارقة جنوبي الصحراء، يفضلون الانتقال لمصر أكثر من ليبيا أو الجزائر، نظراً لتوافر فرص عمل مؤقتة لهم في مصر، تعينهم على الحياة قبل الهجرة". وحول فرص إصدار القانون بعد كارثة مركب رشيد، اعتبر المصدر أن "الأمر بات في يد مجلس النواب، لا الحكومة"، مستبعداً إصداره قبل نهاية العام الحالي أو حلحلة العلاقات الملتبسة مع إيطاليا.

المساهمون