"مدارس حدودية"... تلاميذ غزة يتحدون الاحتلال على بعد خطوات

07 ابريل 2017
رغم أنف الاحتلال (إيمان عبد الكريم)
+ الخط -
يومياً، يقصد أحمد زيادة مدرسة شهداء الشجاعيّة الثانوية للبنين، وهي واحدة من "المدارس الحدوديّة" في غزّة. فيها، يتابع ابن الخامسة عشرة تعليمه، على الرغم من رفض أهله. هم حاولوا إقناعه بالالتحاق بأيّ مدرسة بعيدة عن نقاط الاحتلال، إلا أنّه أصرّ عليها. هو اليوم في الصف الأول الثانوي، وينوي الحصول على شهادة الثانوية العامة فيها.

يتحفّظ أهل أحمد على مدرسته هذه، إذ إنّ مساحة الأراضي التي تفصل بينها وبين السياج الحدودي شرقيّ مدينة غزة حيث نقاط للاحتلال الإسرائيلي وآلياته العسكرية، لا تتعدّى 1400 متر مربّع. وهذا ما يجعل العملية التعليمية "كابوساً يومياً"، بحسب ما يصفها المراهق الفلسطيني. وعلى الرغم من المخاطر، إلا أنّه يؤكّد أنّ مستوى مدرسته التعليمي عالٍ، ومدرّسيها يتميّزون عن مدرّسي المؤسسات التربوية الأخرى القريبة من محلّ إقامته. يُذكر أنّ أحمد يعيش في منطقة ليست ببعيدة عن مدرسته، وهذا ما يجعله "معتاداً على أجواء الخطر الدائمة"، بحسب ما يقول لـ "العربي الجديد". يضيف أنّ "المهم بالنسبة إليّ هو أن أحظى بفرصة تعليم مميّزة، على أيدي مدرّسين من ذوي الكفاءة وبرفقة زملاء متميّزين. وهذا ما وجدته في مدرسة شهداء الشجاعية".

يخبر أحمد أنّ ثمّة "حالة حذر نعيشها يومياً، نتيجة قربنا من الحدود"، ولا سيّما بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزّة في عام 2014. ويكمل: "نحن نرى في كلّ يوم آليات الاحتلال وجنوده على مقربة منا، ونسمع كذلك أصوات الأعيرة نارية والتحركات عسكرية. ونشعر بفزع من جرّاء أيّ حركة قد تحدث. لكنّنا مستعدون دائماً لمواجهة مثل هذه المشاكل، إذ تدرّبنا على عمليات الإخلاء الآمن بفضل جهود إدارة المدرسة التي تحرص دائماً على سلامتنا جميعاً".

خوف وقلق

لا يختلف حال براء القوطة وهو كذلك في الخامسة عشرة من عمره، عن حال زميله أحمد زيادة. هو عانى كثيراً وواجه مصاعب عدّة ليتمكّن من إكمال تعليمه في تلك المدرسة، بحسب ما يقول لـ "العربي الجديد". يضيف: "نحن نسكن في منزل يبعد عن المدرسة نحو كيلومترين اثنين. ما يهمّني هو الحصول على تعليم يفيدني والمحافظة على تميّزي وعلى درجاتي العالية. أمّا الخطر المحيط بالمدرسة، فالأعمار بيد الله". ويلفت إلى أنّ "إدارة المدرسة تحرص على توخّينا أقصى درجات الحيطة والحذر، وقد زوّدتنا بالأساليب التي نحتاج إليها للتعامل مع أيّ خطر أو أزمة قد تطرأ. وذلك من خلال تدريبات الإخلاء الآمن والإسعافات الأولية. وقد نجحنا فيها".

براء القوطة: أريد تحقيق حلمي (إيمان عبد الكريم)


إلى ذلك، يحرص براء على التركيز على دروسه، وسط كلّ ما يعترض نظره أو سمعه خلال النهار، من آليات الاحتلال العسكرية وإطلاق نار. ولا يخفي مشاعر الخوف والقلق التي تلازمه بصورة يومية، من جرّاء ما عايشه في الحرب الأخيرة على غزّة، إلا أنه يأمل ألا تتكرر تلك المآسي. "أريد إكمال سنواتي الدراسية المتبقية في الثانوية والالتحاق بعدها بكلية الصيدلة وتحقيق حلمي".

متابعة نفسية

ولأنّ تلاميذ غزّة في حاجة إلى متابعة متخصصة، على خلفيّة ما عاشوه وما زالوا من ترهيب إسرائيلي تختلف أشكاله، تحرص مدرسة أحمد وبراء على تأمين مرشد نفسي وتربوي لهم. من شأن هذا المرشد أن يساعدهم في أزماتهم النفسية التي ترتبط بما راكمته الحروب في أنفسهم، وتلك الناتجة عن الأوضاع الخاصة التي يعيشونها يومياً في المدرسة. أحمد فتيحة هو المرشد النفسي والتربوي منذ عام 2010، ويقول لـ "العربي الجديد" إنّ "هدف الإرشاد الأسمى هو مساندة التلميذ لبلوغ حالة نفسية مثالية". يضيف أنّ "الأمر يتطلّب جهداً مضاعفاً في حالة مدرسة شهداء الشجاعية، بسبب موقع المدرسة الحدودي". والتلاميذ بمعظمهم من سكّان المنطقة الشرقية، بحسب ما يشير فتحية الذي يصفها "بمنطقة النار. بالتالي، تكثر لديهم المشاكل والأزمات النفسية".

 أحمد زيادة: نعيش كابوساً يومياً (إيمان عبد الكريم) 


ويوضح فتحية أنّه "على الرغم من نتائج التلاميذ الجيدة، إلا أنّ بإمكان الوضع الدراسي أن يكون أفضل بكثير، نظراً إلى تميّز هؤلاء التلاميذ وحبّهم للتعليم". ويتابع أنّ "التلاميذ يعيشون حالة من الرعب والفزع عند سماعهم أيّ صوت إطلاق نار. ما عايشوه خلال الحرب الأخيرة يبرّر ذلك، في حين أنّ المدرسة تعرّضت إلى إطلاق نار في أكثر من مرّة".

تدريب لإخلاء آمن

من جهة أخرى، عمدت المدرسة بالتعاون مع الدفاع المدني إلى تدريب التلاميذ على عمليات الإخلاء الآمن وخصّصت لهم دورات في الإسعافات الأولية، في محاولة لضمان سلامتهم. وثمّة فرق ومجموعات من التلاميذ، مهيأة لمساعدة المدرّسين في عمليات الإخلاء، بهدف ضمان نجاح العملية.

تجدر الإشارة إلى أنّ وزارة التربية والتعليم العالي في غزة وضعت خططاً للحفاظ على سلامة التلاميذ وأمنهم في المدارس الحدوديّة عموماً، بالتعاون مع جهات معنية، ولا سيما الدفاع المدني. وقد أعدّت دورات مكثفة للتلاميذ وأولياء أمورهم في حال حدوث أيّ توتّر على الحدود لحمايتهم.

عدنان ضاهر هو مدرّس التربية الإسلامية في مدرسة شهداء الشجاعية، منذ عشر سنوات. هو يسكن على مقربة منها، واعتاد خلال الحروب التوجّه إليها للاطمئنان على حالها والسؤال عن تلاميذها وأهلهم. يقول ضاهر لـ "العربي الجديد" إنّ أفكاره لطالما كانت مع المدرسة والتلاميذ. يضيف: "صحيح أنّ معنويات هؤلاء عالية، إلا أنّهم سرعان ما يتأثّرون عند دويّ أي انفجار أو سماع صوت جرّافة أو طلق ناري ولو من بعيد. كذلك فإنّ أيّ مشكلة تقع تشعرهم بالتوتر والرعب". لذا يؤكّد أنّه "كلما كانت المدارس بعيدة عن الحدود، كان الأمر أفضل لاستقرار العملية التعليمية بالنسبة إلى التلاميذ والمدرّسين على حدّ سواء. ومن شأن ذلك أنّ يحسّن نفسية التلاميذ". إلى ذلك، يخبر أنّ "الاحتلال يقوم بعمليات عسكرية محدودة في بعض الأيام، فنضطر إلى إخلاء المدرسة وإلغاء اليوم الدراسي. كلّ هذه المشاكل تؤثّر على المسيرة التعليمية".

ويبقى أنّ المدارس الحدوديّة هي جزء من أجزاء قصّة الشريط الحدودي وتلاميذ غزّة. هؤلاء يعرفون مصاعب كثيرة في شرق المدن الجنوبية وفي الشجاعية وفي شمال قطاع غزّة وتحديداً بيت حانون.

دلالات