"مدارس التحدي": تلاميذ فلسطينيون في مرمى الاحتلال

طوباس
سامر خويرة
11 أكتوبر 2019
حتى عامَين مضيا، كان أطفال فلسطينيون تراوح أعمارهم ما بين ستّة أعوام وعشرة، يضطرون إلى قطع مسافة تزيد عن 30 كيلومتراً يومياً (ذهاباً وإياباً) من مكان سكنهم في خربة إبزيق في بطن الأغوار الشمالية الفلسطينية التابعة لمحافظة طوباس، شمال شرقي الضفة الغربية، في اتجاه بلدة عقابا التي تُعَدّ أقرب تجمّع سكني مأهول بالنسبة إلى خربة إبزيق. أمّا السبب فمتابعة تعليمهم في مدارس عقابا الابتدائية. 
وكان هؤلاء الأطفال يضطرون إلى الاستيقاظ فجر كل يوم ويستقلّون حافلة قديمة تقلّهم إلى مدرستهم عبر طرقات وعرة وجبلية موحشة. وكانت تلك الحافلة تنتظرهم لتعود بهم بعد انتهاء الدوام إلى بيوتهم، فيصلون عند المغيب. ورحلة هؤلاء الصغار الشاقة كانت تتكرر في صيف الأغوار الحارق أو بردها القارس.
تلك المعاناة اختُتمت فصولها مع إطلاق مبادرة "مدارس التحدي" التي شرعت وزارة التعليم الفلسطينية بتنفيذها لمصلحة تلاميذ التجمّعات المهددة بالهدم من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، في مختلف محافظات الضفة الغربية، وفي مقدّمتها الأغوار وضواحي القدس وغيرهما، بحجّة وقوعها في المناطق المصنفة "ج" وفق اتفاقية أوسلو. ويقول رئيس مجلس قروي إبزيق، عبد المجيد خضيرات، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الاحتلال يمنع الفلسطينيين من تشييد أيّ منشأة في المناطق المصنفة ج، والأغوار التي تشكل نحو 30 في المائة من مساحة الضفة تقع الغالبية المطلقة من أراضيها من ضمن هذا التصنيف. لذلك من غير المسموح لنا بناء مدرسة، فكان الحلّ بالتالي استغلال مبنى قديم مؤلّف من ثلاث غرف صغيرة بعد إعادة تأهليها لتستوعب نحو 25 تلميذاً وتلميذة من الصفّ الأول حتى السادس الأساسي، أمّا بقية المراحل الدراسية فقد تمّ تخصيص حافلة لنقل تلاميذها إلى مدراس في القرى المجاورة".



ويوضح خضيرات أنّه "في العام الماضي، افتتحت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية مدرسة إبزيق، بعد الانتهاء من تأهيل المبنى الذي قدّمه أحد السكان، وقد أُطلق على تلك مدرسة اسم التحدي 10". يضيف أنّ "جيش الاحتلال كان قد هدم وصادر قبل ذلك بعام واحد كرفانات كان يتلقّى فيها التلاميذ تعليمهم، بذريعة وقوعها في منطقة يدّعي الاحتلال أنّها عسكرية مغلقة". يُذكر أنّ الاحتلال استهدف مدرسة إبزيق من خلال تفكيك خيمة كانت قد تبرّعت بها إحدى المؤسسات الإغاثية لاستخدامها كمركز للهيئة التدريسية، وفي وقت لاحق أقدم على مصادرة اثنَين من الكرفانات كانا يُستخدمان كمقرّ للإدارة وغرفة للمعلمين في المدرسة. وبعدها بمدّة قصيرة، تمّ إخطار المدرسة بوقف البناء بحجّة عدم الترخيص بالتوازي مع إخطار آخر بإخلاء المدرسة بحجّة الاعتداء على مواقع تاريخية، بحسب وصف الاحتلال.
ويعيش في خربة إبزيق التابعة لمحافظة طوباس في الضفة الغربية المحتلة، نحو 200 مواطن فلسطيني فقط موزّعين في 38 عائلة. أكثر من نصف تلك العائلات من البدو الرحّل الباحثين عن المراعي والمياه. أمّا العائلات الباقية من بينها، فتقيم بصورة دائمة في تلك الخربة وتعتمد في معيشتها على رعي الماشية والزراعة.
في السياق، يشير مدير المدرسة فراس دراغمة، لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ "المعلمين والتلاميذ يتعرّضون إلى مضايقات مستمرّة من قبل جنود الاحتلال الموجودين بكثافة في مناطق الأغوار حيث ينفّذون تدريبات عسكرية بالذخيرة الحيّة". يضيف دراغمة أنّه "بهدف حماية التلاميذ، وضعت إدارة المدرسة سياجاً حولها، لكنّها فوجئت بعد أيام، مع بدء العام الدراسي الجديد قبل أكثر من أسبوعَين، باقتحام ضباط الإدارة المدنية الإسرائيلية المبنى وتسليم الإدارة إخطاراً بإزالة السياج وبعض مرافق المدرسة مثل الحمامات، الأمر الذي يشكّل تهديداً لسلامة التلاميذ". ويشدد دراغمة على أنّ "أهالي القرية ومعهم الطاقم التدريسي والإدارة ومديرية التربية والتعليم يرفضون جميعاً هذا الإجراء وسوف يدافعون عن المدرسة بكل السبل المتاحة".



وفي ردّها على الخطوة الإسرائيلية، أكّدت وزارة التربية والتعليم في بيان، أنّ انتهاكات الاحتلال المتواصلة في حقّ المؤسسات التربوية لن تكسر إرادة التعليم المقاوم، لافتةً إلى أنّ سياسة إخطار المدارس بالهدم ووقف البناء والمصادرة لن تثني عزيمة الأسرة التربوية في مواصلة تعليم الأجيال وتنشئتها ورفدها بالقيم الوطنية والإنسانية. واستنكرت الوزارة تسليم قوات الاحتلال مدرسة إبزيق "التحدي 10" في مديرية طوباس إخطاراً يتضمّن إزالة السياج المحيط بها، مشيرة إلى أنّ هذا الاعتداء يأتي في سياق الاعتداءات الممنهجة والمتواصلة في حقّ المدرسة التي تعرّضت صفوفها (الكرفانات) للتجريف والهدم بحجج "عسكرية واهية"، على حدّ وصفها.

وشددت الوزارة على أنّ استهداف هذه المدرسة، بالتزامن مع بداية العام الدراسي، يكشف عن نوايا الاحتلال ومخططاته الرامية إلى محاربة التعليم وعرقلة وصول الأطفال والتلاميذ إلى مدارسهم وحرمانهم من تلقي تعليمهم في بيئة تعليمية آمنة ومستقرة. وقد طالبت الوزارة المؤسسات الدولية الحقوقية والإعلامية والناشطة في مجال الطفولة التدخل بشكل عاجل، لوضع حدّ لهذه الانتهاكات وفضحها عبر القنوات السياسية والدبلوماسية والإعلامية.

يفيد التقرير السنوي الأخير لوزارة التربية والتعليم الفلسطينية بأنّ عام 2018 شهد توثيق 20 إخطاراً بالهدم والمصادرة ووقف أعمال بناء مدارس، منها ثلاث عمليات هدم و12 عملية وقف بناء وخمسة عمليات مصادرة، في المناطق المصنفة "ج" حيث يتلقّى نحو 10 آلاف طفل تعليمهم في خيم أو مبان بلا تدفئة ولا تكييف، فيما يضطر نحو 1700 طفل إلى المشي مسافة خمسة كيلومترات أو أكثر للوصول إلى المدارس بسبب إغلاق الطرقات ونقص المواصلات أو عدم توفّر مدارس في تجمّعاتهم. وبحسب التقرير نفسه، فإنّ إقامة الحواجز وإعاقة الوصول إلى المدارس أدّتا إلى إضاعة آلاف الحصص الدراسية على التلاميذ، عدا عن قتل الاحتلال ستّة تلاميذ واعتقاله 245 آخرين وجرحه 943 بالرصاص الحيّ أو المطاطي، بالإضافة إلى تسببه في حالات اختناق من جرّاء الغاز المسيل للدموع، أو برضوض وكسور بسبب الدهس أو الضرب. يُضاف إلى كل ذلك إصابة مئات التلاميذ بالخوف والهلع من جرّاء الاقتحامات وتهديدات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين لهم، ويُذكر أنّ 77 مدرسة تعرّضت إلى الاقتحام أكثر من 300 مرة.

من جهتها، أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، في تقرير لها أصدرته في نهاية يوليو/ تموز 2018، بأنّ نحو 25 في المائة من الأطفال الفلسطينيّين ونحو سبعة في المائة من الطفلات الفلسطينيّات تركوا المدرسة من دون إكمال تعليمهم. ويعود ذلك، بحسب "يونيسف"، إلى أسباب من قبيل جودة التعليم المنخفضة، والعنف الجسديّ والمعنويّ في المدارس من قبل المدرّسين والأقران على حدّ سواء، والصراع المسلّح، والاعتداءات التي يتعرّض لها التلاميذ من قبل المستوطنين والجيش الإسرائيلي عند عبور الحواجز.
على الرغم من أنّ التعليم في فلسطين يواجه ضغوطاً هائلة بسبب الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنّ فلسطين تُعَدّ من أبرز الدول التي تقلّ فيها الأميّة في العالم. وقد كشفت إحصاءات أصدرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بمناسبة اليوم العالمي لمحو الأميّة في الثامن من سبتمبر/ أيلول الماضي، أنّ 3.3 في المائة فقط من مجمل السكّان الذين تعدّوا 15 عاماً أميّون، مع انخفاض بلغ نسبة 10 في المائة في خلال الأعوام العشرين الماضية.

ذات صلة

الصورة
حفل منح روضة عطالله بشارة (العربي الجديد)

مجتمع

وزعت "جمعية الثقافة العربية" منح روضة بشارة عطاالله على 80 طالبا جامعيا من الداخل الفلسطيني المحتل، مساء الأربعاء، في النسخة الثالثة عشرة للمنح السنوية التي تقرر توزيعها هذا العام خلال عدة أيام لضمان التباعد، واتباع إجراءات الوقاية من فيروس كورونا.
الصورة
وقفة إسنادية لأسرى فلسطين (عبد الحكيم أبو رياش)

مجتمع

ندد عشرات الفلسطينيين بسياسة الإهمال الطبي التي تنتهجها إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية بحق الأسرى، في ظل الخشية من تفشي فيروس كورونا في صفوفهم بعد إصابة عدد منهم بالمرض.
الصورة
مطالبات بالإفراج عن منسق حركة (العربي الجديد)

مجتمع

طالب العشرات من الفلسطينيين، اليوم الثلاثاء، خلال وقفة أمام ممثلية ألمانيا في رام الله وسط الضفة الغربية، ألمانيا بصفتها الرئيس الدوري للاتحاد الأوروبي من أجل الضغط على إسرائيل للإفراج عن منسق حركة مقاطعة إسرائيل وسحب لاستثمارات وفرض العقوبات عليها..
الصورة
فلسطينيون يدخلون إلى الداخل المحتل عبر فتحات في جدار الفصل (فيسبوك)

مجتمع

يلخص الفلسطيني عامر عوض (49 سنة)، من قرية فرعون، جنوب طولكرم، لـ"العربي الجديد"، الأوضاع في القرية التي تحولت خلال فترة عيد الأضحى وما بعده إلى إحدى أبرز نقاط الوصول إلى الداخل المحتل، في ظل غض قوات الاحتلال طرفها عن تلك النقاط.