"ما الليبرالية؟ الأخلاق، السياسة، المجتمع": ثلاث زوايا للنظر

12 يوليو 2020
الصورة
"لحظة ضد الليبرالية"، الرسامة الأميركية كرستينا أنيماشون

مع تعدّد الزوايا التي يقارب من خلالها مصطلح الليبرالية بين المفكرين السياسيين الإنكليز والفرنسييين والألمان، وبين النظر إلى "الاقتصاد الليبرالي" الذي يبدو أنه لا ينفصل عن الرأسمالية والعولمة، تحاول الباحثة الفرنسية كاترين أودار أن تبني السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي لهذا المصطلح في كتابها "ما الليبرالية؟ الأخلاق، السياسة، المجتمع". 

صدرت ترجمة الكتاب حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" أنجزتها سناء الصاروط، وفيه تسعى المؤلفة ليس فقط إلى وضع الليبرالية في إطار تاريخي بل إعادة قراءة تحولاتها في ضوء العالم المعاصر اليوم، فتقدّم تصوّراً شاملاً لمفكريها والنظريات حولها. 

تتابع أودار قصة ما نسميه "ليبرالية"، ليست مدفوعة برغبة التفسير الفكري فقط، إنما تبحث في مصير هذه الأفكار منذ لحظة ولادتها في القرن السابع عشر. وتأتي أطروحتها لإثبات وجود مجموعة متماسكة من الأفكار التي يمكن تسميتها "الليبرالية". 

خلال القرون الثلاثة، تطورت الليبرالية مع الظروف التاريخية، وفق الكتاب، وهو ما يفسّر اختلافها من الليبرالية الكلاسيكية إلى النيوليبرالية في نهاية القرن الماضي، بما في ذلك ليبرالية أوائل القرن العشرين.

الفصول الثلاثة الأولى، تقدّم نموذج الليبرالية الكلاسيكية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بينما تشرح الفصول التالية كيف واجهت الليبرالية مشاكل جديدة مرتبطة بانفجار الاجتماعي في المجال السياسي خلال القرن العشرين، كما تربط الكاتبة بين الليبرالية والأسئلة المعاصرة والتحوّلات في هذا الفكر اليوم. 

يرسمُ الكتاب تاريخ الليبرالية، من خلال التفكير النظري بمستقبل التضامن، وبالتعدّدية الثقافية، وبتجديد الديمقراطية. ويبحث في كيفية تصوّر الفكر الليبرالي المعاصر للوطنية، وإعادة صوغه من دون الانجراف نحو صيغة مغلقة للوطن، وذلك بطريقة لا شعبوية، من خلال ابتكار أنماط جديدة من النقاشات العامة. 

كما يرى الكتاب أن الليبرالية فرضت نفسها بصفتها عقيدة الحرية الفردية، والتسامح والحق في المُلكية، حيث تدعو، في مواجهة الاستبداد المَلَكي، إلى ازدهار حيّز اجتماعي في معزل عن سطوة الدولة، وهو ما يُعرف بـ"المجتمع المدني". لكن ما يُعدّ قوة تحرّر أيضاً، في القرن التاسع عشر، بدا عاملاً كارثياً للتشرذم والاندفاع نحو الأسواق. 

من هذا المنطلق، تشرح أودار الانقسام الذي نشأ بين "الليبراليين"، حيث ادعى بعضهم أنهم رُسُل الأعمال التجارية الحرة، فيما دافع آخرون عن رؤية لليبرالية تحمل بعداً اجتماعياً؛ الأمر الذي يؤكد أن الليبرالية ليست عقيدة جامدة، بل هي قابلة للتطّور.