"ليتني كنت أعمى": رصاصة استقرّت في كتاب الجغرافيا

03 سبتمبر 2019
الصورة
(مقطع من عمل لهاني زعرب)
+ الخط -

في رواية "ليتني كنت أعمى" (الأهلية للنشر، 2019)، يُصوّر وليد الشرفا (1973)، مأساةً فلسطينية عبر جريحَين يلتقيان في مركبة إسعاف، الأوّل من زمن "الكتيبة الطلابية" في بيروت، يفقد بصره، والثاني مُشارك في الانتفاضة الثانية، يفقد ساقه.

يختصر الكاتب الفلسطيني المسافة والزمن بين الشخصيّتَين، بعودة المقاوم المُصوِّر علي الطّوق من مخيّم شاتيلا مع "العائدين" إلى الضفّة بعد اتفاقية أوسلو، حيث يقرّر التفرّغ للتوثيق بالصور بدلاً من الامتيازات والمناصب. ومع اندلاع "انتفاضة الأقصى"، تجمعه إصابته مع ياسر الزرعيني، من مخيّم جنين، داخل مركبة إسعاف، مصاباً في مواجهة عسكرية مع قوّات الاحتلال.

تتقاطع الشخصيّتان في كثير من الجوانب، فكلاهما يعاني الفقدان، علي استشهدت زوجته بمجزرة صبرا وشاتيلا، وياسر استشهد توأمه صلاح أثناء عودته من المدرسة برصاصة "اخترقت قلبه واستقرّت في كتاب مادة الجغرافيا"، وكلاهما تشابها في المسير والمصير.

ينسج الشرفا الرواية كملحمة ممتدّة بالفقدان المستمر للأشخاص والأماكن، وألوان الفراق المختلفة، فيُصدّر السخط بعد عرض صور التناقض الفجّة، وهو يُقدّم نقداً صارخاً من خلال شخصية علي الذي يشعر بالاغتراب خلال وجوده في رام الله: "عندما بدأ النادل في فندق بيسان يلمّ الطعام، وأرى الصحون المليئة بالأرز واللحم تختلط مع العصير وبقايا الطعام على الطاولات، تذكّرت أن موت الفقراء أشد ألماً، لأنه أزلية للذكرى البائسة، جوعٌ وموت، كيف إذا كان جوعاً وذبحاً".

ويشتد شعور علي بالاغتراب بعد حواره مع رفيقه ناجي الذي ترقّى عميداً ودعاه إلى مطعم سمك على شاطئ عكا، حين علّق علي ساخراً: "ألهذا نزلت عشرات الدوريات وأُصبت واستشهد الآلاف! يرد (ناجي) على الإجابة نفسها: "لكل مرحلة قوانينها، حاربنا ومن حقّنا أن نستمتع، أم نتركها للجواسيس!"، فيجيبه: "نترك ماذا، المرحلة أم الاستمتاع!".

يضع الكاتب إصبعه على جرح الفترة التاريخية على نحوٍ متوازن بالرجوع إلى الذاكرة الفلسطينية الجامعة، فترة المقاومة في بيروت والانتفاضة الثانية، ومن خلال هذه النافذة، يترك العنان لأبطالها ليعبّروا بشكل فردي منفصل عن مشاعرهم ومواقفهم المتناقضة أحياناً، والتي يبقى التطرُّق إليها مقبولاً من خلالهم، دون مزج أو تدخّل ملحوظ منه.

يعتمد الشرفا في وصفه على الجمل القصيرة والمشاهد السريعة، في خلقٍ تفصيلي لحالة التوتُّر والأسى العام، ورسم دقيق لذاكرة المكان، مثل وصفه أزقّة نابلس: "حارة النصر بين مسجد النصر ومسجد البيك، بينهما أقدم محلّات الحلويات والمخابز والأفران، ومحل الكنافة الأكثر بساطة وحضوراً"، بالإضافة إلى الوصف الحسّي والمعنوي.

تتداخل المشاهد بشكل سلس، ويحاول الشرفا تقليص الفجوة التي تتّسع مع مرور السنين بين الأحداث وبين الذاكرة والزمن المُتخيّل، باستخدام اللهجة العامية في الانفعالات، والأناشيد والأغاني الشعبية المعروفة، ووصف بعض الصُوَر المُتداوَلة عن تلك الفترة حتى اللحظة.

ورغم أنَّ أغلب أحداث الرواية وشخوصها مستوحاة من قصص حقيقية، إلّا أن الكاتب طوّعها بتحوير التفاصيل، ما يخدم نسيج الرواية، فاسم بطلها مستوحىً من الشهيد علي أبو طوق الذي كان له دور قيادي في معارك قلعة الشقيف في لبنان (1980 – 1982)، وكان أيضاً قائداً لموقع شاتيلا خلال "حرب المخيّمات"، واستشهد عام 1987 أثناء تصدّيه للقوّات التي كانت تحاصر المخيّم.

يريد الشرفا أن يقول مع خاتمة الرواية إنّ مشكلتنا الأساسية في صراعنا أخلاقية قبل كل شيء، فبعد انتهاء أجواء الحصار والانتفاضة، يخرج علي وياسر من المستشفى، أعمى يقود مبتورَ ساق على كرسي متحرّك، الأول يمشي والثاني يرشده، فيعلقان في الشارع، وأثناء تشتّتهما، يُقذَفان بالشتائم والتحقير لأنهما أغلقا الشارع، ليُردّد علي بصوت منخفض: "لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت، ما كنت بدأت".

ورغم أن علي يبدأ الرواية أعمىً بفعل إصابته، إلّا أن العنوان استُهِلّ بـِ"ليتَ" التمنّي، فالرؤية في هذه الرواية تجري عبر الذاكرة: "أشعر أنّني سأُحيي الموتى وأجعلهم ينزفون ويتألّمون مجدّداً إذا حمّضت الصور... أذكر اللحظات ثانية ثانية... فالذي يتذكّر يرى يا ياسر".

دلالات

المساهمون