"لا نقد بل مديح" يقول مخرجون

28 يناير 2019
الصورة
سينما نادين لبكي: واعدة لكنها معطّلة (فيسبوك)
تقول المخرجة اللبنانية نادين لبكي، في حوار مع "تلفزيون العربي" (مساء الجمعة، 25 يناير/ كانون الثاني 2019)، إنها غير مُهتمّة بآراء النقاد، واصفة إياهم بأنهم يُبدّلون آراءهم بين يوم وآخر، بحسب الطعام الذي يتناولوه. هي، بهذا، تضع الجميع في إطار واحد، وتتعالى على آراء هادئة ومتسامحة وإيجابية وسجالية مع "كفرناحوم". هي، بهذا، تسخر من الطعام وفنّ الطبخ وملذّات المأكل، معيبة عليها كلّها تحكّمها بنقّاد يُفترض بهم، كما يبدو من قولها هذا، ألاّ يتناولوا أي طعام، طالما أن أفلامًا مثل تلك التي تصنعها تتكفّل بتغذيتهم روحيًا. 

هذا ليس جديدًا. سينمائيون فاعلون ومؤثّرون في العالم غير مكترثين بنقدٍ يُشارك في صناعة السينما. ينفضّون عن كتابات، ويرضخون لحوارات ـ صحافية غالبًا ـ يريدونها ترويجًا لصنيعٍ جديدٍ لهم. لكن، هناك من يجد في الكتابة النقدية استكمالاً لصنيعه ومساره المهنيّ ووعيه الثقافي والجمالي والمعرفي والبصري، تمامًا كما يعثر نقّاد على استكمالٍ كهذا في أفلامٍ، تُثير لديهم متعًا عديدة في المُشاهدة والانفعال، وفي الوعي نفسه أيضًا.

العلاقة بين الإخراج والإنتاج والتوزيع والنقد غير سليمة إجمالاً. هذا مزمن. سويتها نادرة. مخرجون قليلون (عربٌ وأجانبٌ) يتمكّنون من بناء صداقات متينة مع نقّاد، بعيدًا عن حسابات مهنيّة ضيّقة. نقّاد (أجانب قليلون تحديدًا) يمتلكون "سلطة" ثقافية تمنع سينمائيين كثيرين من تفاديهم أو التغاضي عن أقوالهم وسجالاتهم، لأن لديهم وعيًا معرفيًا يريد السينمائيون الاستفادة منه. مخرجون آخرون ممتنّون لنقّاد عديدين لمساهمتهم بتحسين الوعي المعرفي والجمالي والبصري لديهم، بفضل نقاشاتٍ مختلفة؛ أو لدفعهم إلى تبيان ملامح اشتغالاتهم ومعالم طروحاتهم وأفكارهم عبر حوارات وكتابات. ألفرد هيتشكوك "مَدينٌ" ـ إلى حدّ ما ـ لفرانسوا تروفو بتمكّنه (هيتشكوك) من قراءة نتاجه وأفكاره ومناقشتها، بفضل الحوار المشهور بينهما. لارس فون ترير يزدري النقّاد، وستانلي كوبريك يبقى، غالبًا، في عزلته مكتفيًا بما تصنعه عبقريته، تمامًا كما يفعل ترينس مَالِك.

هؤلاء وغيرهم يرتكزون على صنيع يمتلك مشروعًا وجماليات وقولًا، ويطرح إشكالات، ويُحرّض على نقاش، ويكشف مخفيًّا أو ممنوعًا. يُدركون أن ما تبتكره المخيّلة، المُشبعة بالقراءة والمُشاهدة والتفكير والسجال، يزلزل مفاهيم سائدة، أو على الأقلّ يُحرِّض على قراءتها مجدّدًا ودائمًا، ويدفع إلى إعادة النظر في مسائل كثيرة، وينبِّه المُشاهدَ المهتمّ إلى ذاته وعقله ومشاعره. بعض هؤلاء غير حاصل على جوائز دولية، يلهث وراءها عربٌ يظنّونها مدخلاً إلى عالمية يجتهدون في سبيلها كي يحصلوا على "اعترافٍ"، يُتيح لهم عودة "بطولية" إلى ديارهم لإشهار "إفادة نجاح" في الاختبار أمام أفراد العائلة، لأنهم غير كفوئين في ديارهم وأمام أفراد عائلاتهم.

لن يكون قول نادين لبكي مفاجئًا. هذا أصيل في وجدان مخرجين ومخرجات لبنانيين وعرب. يقتربون من النقّاد عندما تكون الكتابة إيجابية لصالحهم، ثم ينفرون منهم ويهاجمونهم عندما لا يجدون في النصّ النقدي ما يُرضي أنانيتهم. أحيانًا، يقسو النقد ويستخدم مفردات حادّة إزاء عملٍ يراه الناقد غير سوي. هذا جزء من الكتابة والنقاش. هذا جانبٌ من قولٍ يحاول، أحيانًا، أن يتساوى وقسوة الفيلم المتمثّلة بسذاجة أو تسطيح أو تصنّع أو تزوير أو تباهٍ (والتباهي غالبًا يكون بلا شيء). ثم أنّ تبديل الرأي جائزٌ، فظروف المُشاهدة تمارس دورًا في كيفية المُشاهدة، من دون أن يعني هذا تغاضيًا عن مساوئ أو جماليات، تنكشف في المُشاهدة الأولى في الظروف كلّها. التبديل جائزٌ لأن مُشاهدات إضافية، إنْ يكن الفيلم قادرًا على إثارة رغبة في مُشاهدات إضافية (والمُشاهدة الأولى كفيلة بتبيان ما إذا الفيلم متمكّن من استدعاء مُشاهدات إضافية)، تتيح مقاربة مختلفة لـ"ثوابت" لن تتبدّل في الفيلم، وفي مقاربة ناتجة من مُشاهدات متنوّعة وقراءات سينمائية مختلفة، ومن نقاشات عامة وعديدة.

لكن، أن تتعالى مخرجة على نقدٍ ونقّاد، وهم قلّة في عالم عربيّ يفقد مزيدًا من أخلاقياته وثقافاته وقيمه، وهي مُنجزة ثلاثة أفلام فقط، أوّلها "واعدٌ" لكنه مُعطّل، وثانيها ساذج في السياسة والبلد والتاريخ والعلاقات وبليد في السينما، وثالثها مُسيء بالمقاييس السينمائية كلّها لأناس واجتماع ووعي؛ فهذا غير مُدهش في ظل انهيارات جمّة في البلد، وفي ظلّ موقف للمخرجة نفسها، يقول بـ"أخلاقيات" أجهزة أمنية، وبمسؤولية الفقراء عن واقعهم وموتهم وخرابهم.

هذا مُسيء للغاية، حتى وإنْ يمتلك الفيلم شيئًا سينمائيًا ما. فكيف إذا كان اسم الفيلم "كفرناحوم"؟
تعليق: