"لا مستوطن ولا مواطن" لمحمود ممداني: في صناعة الأقليات وتفكيكها

19 سبتمبر 2020
الصورة
محمود ممداني

يدعو الأكاديمي الأوغندي محمود ممداني (1946)، بناء على مقولة إن الدولة القومية ولدت من الاستعمار، إلى إعادة التفكير في العنف السياسي وإعادة تصور المجتمع السياسي خارج الأغلبيات والأقليات. 

وإلى مشروعه الجينيالوجي الذي يحاول فيه تشريح الحداثة السياسية من وجهة نظر غير غربية عبر سلسلة من الكتب، يضيف كتاباً جديداً هو "لا مستوطن ولا مواطن" يصدر قريباَ عن منشورات جامعة هارفارد، الجامعة التي تخرج منها عام 1974 بدكتوراة في القانون، حيث كانت أطروحته تتناول "السياسات وصناعة الطبقة في أوغندا".

الصورة
غلاف الكتاب

يجادل محمود ممداني بأن الدولة القومية والدولة الاستعمارية خلقتا بعضهما البعض؛ دولة بعد دولة في جميع أنحاء العالم - من العالم الجديد إلى جنوب إفريقيا، ومن ألمانيا إلى السودان - فقد تم بناء الدولة الاستعمارية والدولة القومية بشكل متبادل من خلال تسييس أغلبية دينية أو عرقية على حساب أقلية مصنوعة بالمثل. 

ويقول الأستاذ في "جامعة كامبالا الدولية" في أوغندا، إن هذا النموذج يظهر في أميركا الشمالية، حيث خلقت الإبادة الجماعية والاعتقال في المحميات طبقة دنيا محلية دائمة والمساحات المادية والأيديولوجية التي تبلورت فيها هويات المهاجرين الجديدة كأمة مستوطنين.

أما في أوروبا، فبحسب ممداني، استخدم النازيون هذا النموذج للتعامل مع المسألة اليهودية، وبعد سقوط الرايخ الثالث من قبل الحلفاء لإعادة رسم حدود الدول القومية في أوروبا الشرقية وتطهيرها من الأقليات. بعد نورمبرغ تم استخدام النموذج للحفاظ على فكرة أن اليهود أمة منفصلة. ويقول إنه ومن خلال إنشاء "إسرائيل" من خلال تقنين العرب الفلسطينيين، حذا المستوطنون الصهاينة حذو أمريكا الشمالية؛ وكانت النتيجة دورة أخرى من العنف.

يرى الكاتب أنه في ظل هذه الاستمرارية التاريخية لا يبدو أنه للمسطوطنين ولا لأهل البلد أي رؤية لإيقاف هذه العملية التاريخية. ممداني يرفض الحل "الإجرامي" الذي تمت محاولة تنفيذه في نورمبرغ، والذي حمّل الجناة المسؤولية دون التشكيك في النازية كمشروع سياسي وبالتالي عنف الدولة القومية نفسها. 

بدلاً من ذلك، يطرح ممداني مقولة أن العنف السياسي يتطلب حلولاً سياسية: ليس العدالة الجنائية للجناة ولكن إعادة التفكير في المجتمع السياسي لجميع الناجين - الضحايا والجناة والمستفيدين - على أساس الإقامة المشتركة والالتزام ببناء مستقبل مشترك بدون هويات سياسية دائمة: مستوطن ومواطن. 

وفي سياق حديثه، يشير ممداني إلى النضال ضد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا باعتباره مشروعًا غير مكتمل يسعى إلى دولة بلا أمة.

إلى حد كبيرة تبدو أطروحة ممداني مثالية وبعيدة المنال، وربما لا أحد يريد أن يعيش في عالم لا يفكر فيه أحد في الحلول السياسية حتى وإن كان من المستبعد تحقيقها. فالواقع اليوم يقول إن أوضاع الأقليات حول العالم بأكمله وصلت إلى مرحلة من أسوأ مراحلها، وقد كشفت أزمة فيروس كوفيد – 19 عن أن ضحايا الأنظمة وممارساتها وعنصريتها هم أنفسهم ضحايا الوباء. 

ممداني يميل في كتبه دائماً إلى التفكير في قطبين ويقارن بينهما، رأينا ذلك فيه كتاب "منقذون وناجون"، كما في "المواطن والموضوع"، ويلجأ إلى التفكير بمساعدة التاريخ، رافضاً دائماً النقد الموجه إليه بصفته مؤرخاً. 

في اللحظة التي ندرك فيها أن أي واقعة ليست مظهراً آخر من مظاهر الشر المطلق بل صراع معقد يكون لكل طرف فيه مطالب مشروعة ومصالح مشروعة، إذن علينا أن نعود إلى السياسة العادية بأخذها وعطاءها، بدلاً من الاختباء وراء مصطلحات، وبالمثل يجب التخلي عن استخدام المحكمة الجنائية الدولية كمكان غير متجسد وأثيري للعدالة عبر المحيطات، الخلاصة بالنسبة إلى ممداني أنه لا يمكن للعدالة أن توجد خارج السياسة ولا يمكن أن تحل محلها.

يجب التخلي عن استخدام المحكمة الجنائية الدولية كمكان غير متجسد وأثيري للعدالة العابرة للمحيطات

من جهة أخرى يطرح الكاتب مسألة "التدخل الإنساني"، ويرى بأنها بحسب ما تعرفها نصوص الأمم المتحدة "مسؤولية الحماية"، والتي تلغي مفهوم السيادة ونتيجتها الطبيعية أي المواطنة. تعامل مسألة التدخل الإنساني السكان المتضررين على أنهم قاصرون تحت وصاية الآخرين. هذا هو نفس المنطق الذي كان أساس المشروع الاستعماري. في ذلك الوقت، كما هو الحال الآن، كان الحق في حماية الأقليات المهددة أو المحرومة هو الطرف الأضعف لإسفين الاحتلال الاستعماري. 

ومن المفارقات وفقاً للكاتب أن المشروع الاستعماري، سواء في رواندا أو دارفور، هو الذي مهد الطريق للإبادة الجماعية وغيرها من الفظائع من خلال إقامة انقسامات عنصرية مصطنعة.

يتضمن الكتاب ستة فصول هي: المسألة الهندية في الولايات المتحدة، نورمبرغ: فشل نزع النازية، المستوطنين والسكان الأصليين في الفصل العنصري جنوب أفريقيا، السودان: الاستعمار والاستقلال والانفصال، قضية إسرائيل / فلسطين، إنهاء استعمار المجتمع السياسي.