"كروانة الشرق" في طريقها إلى زمن الأغنية

03 فبراير 2015
الصورة

عند سماعنا أغنية للسيدة أم كلثوم، يتراءى في مخيلتنا صورة السيدة جالسة على كرسيها بين العازفين، تنتظر فرقتها لتنهي مقدمة الأغنية كي تتقدم هي خشبة المسرح بكامل أبّهتها، وتغني لساعات ألحاناً طُرِب لها الشرق برمّته. لكن قلّما نذكر صورة "فاطمة"، ابنة الدلتا المصرية، التي بدأت حياتها متجولة في أرياف الإسكندرية، تغني ـ كفتاة ريفية بسيطة ـ توشيحات وأغانٍ صوفية، بصحبة والدها المنشد الديني إبراهيم البلتاجي، غير مكترثة بالشهرة والألقاب.

ربما يكون هذا شكل حياة اجتماعية يختلف باختلاف الواقع وظروفه، إلا أن هذا التأثير طال الشكل الغنائي الذي تناولته "كروانة الشرق"، كما كان يطلق عليها سابقاً. فالفرق بين طقطوقة "قال إيه حلف" (1924) و"رق الحبيب" (1944) واضح في بنية القالب الغنائي وشكله وطريقة تقديمه، رغم أن العملين من ألحان محمد القصبجي. ويمكن القول إن هذا الانتقال جاء تراكماً لما اشتغلت به السيدة، من تطوير قوالب غنائية مثل الطقطوقة والمونولوج بمرافقة بعض آلات التخت الشرقي، وصولاً إلى الأغاني ذات المقدمة الموسيقية الموزعة هارمونياً والمُعدّة لأوركسترا تضم مختلف الآلات الغربية والشرقية.

حين بدأت أم كلثوم مشروعها الفني، كان هاجسها الرغبة في الغناء، وتعلّم أنماط وأساليب جديدة من ملحنين وموسيقيين كانوا أعمدة الغناء المصري، مثل داود حسني وأحمد صبري النجريدي والشيخ أبو العلا محمد. وما زاد من قيمة عملها حينها أنها اختارت قوالب غنائية تتيح للمغني مساحة أكبر في إظهار مهاراته وقدرته على التنقل بين المقامات الموسيقية المختلفة، مثل الأدوار والمونولوجات والليالي. خيارات كهذه كانت مهمة، لا سيما بعد بداية أفول عهد محتكري الساحة الغنائية في مصر، مثل عبده الحامولي وسلامة حجازي وفتحية أحمد.

واللافت في الأمر أن أساتذتها أولوها اهتماماً أكبر بعد فترة وجيزة من انتقالها إلى القاهرة، لإدراكهم أن "الآنسة" التي طربوا لصوتها في قصيدة "الصب تفضحه عيونه"، وهو يجوب براحة أبعاد ديوان الراست، منتقلاً بخفة منه إلى فرع السازكار في القرار، وفرع العجم في الجواب؛ ستفتح باباً جديداً على عصر الأغنية العربية المتكاملة. وبالفعل، فقد تدرّجت أغنيتها، خلال مسيرتها، بين اللحن الواحد بداية في غناء دور المذهب، إلى التنوع اللحني في مزاوجة الطقطوقة الطويلة بالمونولوج، حتى خلصت إلى شكل الأغنية الطويلة متعددة التفريعات، وهو ما اعتبر امتداداً لجزء من أعمال السيد درويش الذي كان في قمة مغنيي الأوبريت المسرحي والمونولوجات الغنائية.

لم تكن أم كلثوم على مستوى عالٍ من الشهرة قبل أن تسجّل مونولوج "إن كنت أسامح وأنسى الأسية" (1928)، إذ كانت تقدّم أمسيات غنائية لفئة خاصة من المستمعين، إلى أن لحّن لها القصبجي هذا المونولوج على مقام الماهور، وخيّرتها شركة تسجيلات "غرامافون" بين أن تأخذ حصتها من المبيعات ثمانين جينهاً، أو أن تتقاضى خمسة قروش مقابل كل أسطوانة تباع، فاختارت الثمانين جنيهاً، راضيةً بها، من دون أن تعلم أن هذا العمل سينال رواجاً كبيراً ويحقق مبيع ربع مليون نسخة.

لم تتوقف كوكب الشرق عند حد الغناء، بل دفعتها رغبتها إلى تجارب أخرى بعيداً عن الغناء، منها ما وفّقت فيه ومنها ما تبيّن أنه مجرد هاجس حاولت مجاراته، كما في تجربة التلحين التي لم تدم طويلاً؛ فقد لحنت أغنيتي "على عيني الهجر ده" و"يا نسيم الفجر"، ثم أوقفت هذه التجربة لعدم نجاحها، إذ كانت ألحاناً بسيطة وغير متماسكة في بنيتها، فعادت لتعمل مع فرقة القصبجي التي ضمت عازفين بارزين مثل سامي الشوا على الكمان وسيد سالم على الناي ومحمد العقاد على القانون.