"قرّاء ابن خلدون": كلما نودي من العصور الحديثة أجاب

19 يوليو 2020
الصورة
البيت الذي ولد فيه ابن خلدون في تونس العاصمة (العربي الجديد)
+ الخط -

في كتابه الموسوعي "تاريخ الفكر في العالم الإسلامي" (1981)، توقّف المستشرق والمفكّر الإسباني ميغيل كروث إرنانديث (1920 - 2020) بشكل خاص عند ابن خلدون (القرن الرابع عشر ميلادي)، ليس فقط لأهمية مدوّنته بأركانها الثلاثة الكبرى؛ "المقدمة"، و"كتاب العِبَر"، و"رحلة ابن خلدون"، بل أيضاً للإشكاليات التي طرحها على مستوى التلقّي في زمنه وفي الأزمنة اللاحقة، حيث يشير إرنانديث إلى تأرجحات لافتة عرفتها مدوّنة ابن خلدون تكاد تشبه الحياة المتقلّبة التي عاشها. كان تناول المستشرق الإسباني لابن خلدون من زاوية التاريخ الفكري للحضارة الإسلامية، أي أنه أتى ضمن قراءة على سلّم زمني كبير، وهو ما جعله يثير هذا النوع من الإشكاليات دون التوغّل فيها.

في كتابه الذي صدر بالفرنسية سنة 1992؛ "ابن خلدون وقرّاؤه"، خصّص الباحث التونسي أحمد عبد السلام مجمل عمله لهذه الإشكالية، واضعاً تاريخاً لـ"قراءة ابن خلدون"، وهو عمل يندرج ضمن دراسات التلقّي التي باتت من أنشط الحقول الفكرية في العقود الأخيرة.

بترجمة الصادق الميساوي، صدرت مؤخّراً النسخة العربية من الكتاب عن منشورات "المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون - بيت الحكمة". يضع عبد السلام قرّاء ابن خلدون في أربعة مستويات، فيدرس أوّلاً كيف جرى تلقّيه في الأزمنة القريبة منه، مركّزاً على كتاب "بدائع السلك" لابن الأزرق، وهي مرحلة تميّزت بحصر ابن خلدون كمؤرّخ وهو ما يعني بقاء أثره الأشهر اليوم (المقدّمة) في الظل.

ينتقل المؤلّف بعد ذلك إلى المرحلة بين القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهي مرحلة أساسية؛ حيث ستضع ابن خلدون كأحد أبرز عقول العصور الوسطى بفضل شروح المستشرقين التي استفاد منها المشتغلون على علوم اجتماعية صاعدة. أمّا المرحلة الثالثة فهي قريبة زمنياً من سابقتها، لكننا ننتقل جغرافياً إلى المنطقة العربية حيث تجاوز ابن خلدون خانة المؤرّخ بشكل نهائي إلى مفكّر أساسي لدى الباحثين العرب، وهو انتقال استند إلى النظرة الغربية لكنه اجتهد في تطويرها حيث وافق موقعُه في خارطة المعرفة العالمية نزعةً عربية تحاول تأصيل الوافد العلمي، وهو ما يمتدّ إلى المرحلة الرابعة التي تلامس "قراءات ما بعد منتصف القرن العشرين".

يشير عبد السلام إلى أن مدوّنة ابن خلدون ظاهرة فريدة في تلقيّها؛ حيث نجد حالة استثنائية في تحوّلاتها من زمن إلى آخر، خصوصاً كتاب "المقدّمة" الذي يعتبره "نصاً طيّعاً ينقاد للقراءات المختلفة ويثير من الأسئلة ما قد لا يثيره نص آخر". من جانب آخر، لا يكتفي هذا الكتاب بوضع قراءات ابن خلدون على خط زمنيّ، بل إنه من خلالها يحاول أن يفهم فكره وخصوصياته وأبرزها كيف أن ابن خلدون كلّما نودي من العصور الحديثة أجاب.