"في سبع سنين" على "الجزيرة"... ثورة أم انقلاب؟

29 يناير 2019
الصورة
لم يقدّم الفيلم رؤيةً عميقة للصراع المسلح مع السلطة(يوتيوب)
+ الخط -
هل كانت الثورة المصريّة "25 يناير"، سبباً في تحولاتٍ فكريّة دفعت شريحةً من الشباب لتبني العنف سبيلاً للتغيير؟ هل إنّ اعتداءً متكرراً لزوجٍ على زوجته، وتحرّش مجموعة شباب في "المترو"، بفتاة ترتدي النقاب، تقف خلفه الثورة؟ وهل، الثورة، أو نتيجتها، هي التي يُمكن أن تدفع سيدة لخلع النقاب؟ 
بين مجازر حدثت في رابعة العدوية، والنهضة، وغيرها، وكُفر بعضهم بفكرة التغيير السلمي، يمكن أن يُفهم وجود رابط، ويُستنكر أيضاً؛ لكن ما علاقة الثورة بذلك تحديداً؟
ربما تكون الإجابة الوحيدة، هي أن "الفكرة في بطن فريق العمل". والفريق هنا، هو مَن أنتج وثائقي "في سبع سنين"، الذي عرضته فضائية "الجزيرة"، مساء الأحد الماضي، مصحوباً من قبلها بحملة ترويج مكثفة.
في كثير من الأحيان، لا تتضمن المعالجة الفنية لظواهرٍ ما توصيفاً دقيقاً أو تحليلاً عميقاً، وهو ما قد يترتب عليه استقبالاً مرتبكاً. هكذا، يقوم الفيلم الوثائقي "في سبع سنين"، لمخرجه محمد رشيدي؛ على اختيار عيّنةٍ من الشباب الذين تعرضوا لصدماتٍ، عامّة وخاصّة، أدّت إلى خروجهم عن النسق الاجتماعي التقليدي السائد في مصر؛ في مسارين، أحدهما "الإلحاد"، والآخر "العنف المسلح".
فكرة الفيلم، كما تظهر في نهاياته، تتأسس على نتائج "تقرير حالة التدين في المجتمع المصري" الذي صدر عن "مركز الجزيرة للدراسات" عام 2017. ويخلُص التقرير، عن الفئة العمرية التي تبدأ من سن 18 وحتى سنّ الـ 35 إلى ما يلي: 6.5 في المائة من هذه الشريحة لا تعرف إن كان هناك إلهٌ أم لا، و4 في المائة منها ملحدون، 24 في المائة لا تعتبر الحجاب فرضاً دينياً، بينما 11 في المائة ترى في العمل المسلح حلاً وحيداً في التعامل مع السلطة.

يبدأ القسم الأول من "في سبع سنين" بالتعرّض لفكرة الابتعاد عن الدين الإسلامي (والمسيحي أيضاً كما يظهر في نهاية الفيلم) وصولاً إلى الإلحاد، وربط ذلك التوجّه تاريخياً بالانفتاح الناشئ عن الثورة، واعتباره ردّ فعلٍ على مجريات الأحداث، وذلك من خلال تجربة شابين وفتاتين يحاورهما المذيع ماهر عقل، والذي يتدخل جدلياً قليلاً بصورة لا تضيف ثقافياً للحوار.
يتّفق معظم الشباب المختارين على أنّ موقف بعض الإسلاميين (وهؤلاء كانوا منهم)، من الثورة ومواقفهم من التيارات السياسية الأخرى، هو الدافع الرئيسي لإعادة النظر في فكرة الدين برمّتها. وقد تمثّلت ترجمة ذلك في خلع الحجاب والنقاب لدى الفتاتين. ثم يظهر في نهاية الفيلم أنّ مشكلاتٍ اجتماعيّة خاصّة كان لها دور كبير في دفعهما نحو "التمرد"... فما علاقة الثورة نفسها بما حدث؟ المذيع لا يسأل، والشباب لا يجيب؛ لكنّ الفيلم يذهب إلى أبعد مدى في الربط بينهما.
كما أنّ التحوّل الكبير لدى الشاب حسن البنا، وهو إخواني سابق، نحو الإلحاد؛ بدأ من مقتل عددٍ من أصدقائه واحداً تلو الآخر، وذلك قبل فض اعتصام رابعة؛ تحديداً في أحداث ماسبيرو ومجلس الوزراء، وصولاً إلى استشهاد أخيه في أحداث رمسيس. هكذا يستخدم لفظ الاستشهاد بدلالته الدينية، فيما يبدو أنّ تحوّل البنا نحو الإلحاد كان نتيجة صدمات عدة، أبرزها مجزرة رابعة نفسها.
قد يسأل المشاهد ما علاقة "سبع سنين" على الثورة بهذا التحول، الذي جاء بعد الانقلاب العسكري الدموي. هنا أيضاً لا إجابة. إذ لا يقيّم هذا القسم من الفيلم توجّه الشباب نحو الإلحاد، بل ترك لهم المجال مفتوحاً للتعبير عن انتقالهم بصورة حرّة، من دون أي مناقشة فكرية أو جدلية لمواقفهم، أو محاولة تفكيك العلاقة بين التاريخي والفكري. ولم يقدّم أي رؤية في هذا الجانب، سوى ربط إلحاد هؤلاء الشباب بالأحداث التي ترتّبت على "ثورة يناير"، من دون أن يقدم أي سرد ثقافي للحالة الفكرية الجديدة الناشئة أيضاً.

أما الانتقال الثاني في الفيلم، فيوافقه الانتقال العنيف لبعض الشباب، وتبنّيهم النموذج المسلّح، في ردّ فعل واضحٍ على الشعار الإخواني "سلميتنا أقوى من الرصاص". إذ يقول أحد المصريين المنتقلين إلى "جبهة النصرة" في سورية ("هيئة تحرير الشام" حالياً)، "تمهيداً للعودة إلى مصر لتحريرها من ظلم الطغاة"، بحسب رأيه، إنّ "رسالتنا مع النظام المصري لا تحملها الكلمات، ولكن يحملها السلاح".
كما يسرد الفيلم مجموعة من الممارسات الفاسدة لنظام الانقلاب، في إهانةٍ المتعاطفين مع الشرعية واعتقالهم وتعذيبهم، وهو ما أدّى إلى هروب بعض الشباب من مصر وتوجههم إلى سورية أيضاً.
لكنّ الفيلم الذي يطرح قضيّتين كبيرتين في المجتمع المصري، لم يستهدف أن يبحث فيهما. فلا هو أشبع المشاهد في فهم حالة الإلحاد وتقييمها، ولا قدّم رؤيةً عميقة لفكرة الصراع المسلح مع السلطة؛ بل يكتفي الفيلم بأن يقدم رسالةً مفادها أنّ الإلحاد والعنف لم يكونا "سوى ردّ فعل لما حدث!"، بينما يجد المشاهد نفسه متعاطفاً إنسانياً مع جميع هؤلاء، نظراً لما مرّوا به من مشكلاتٍ اجتماعيّة قاسية.
أما رسالة الفيلم، فيقدمها التعليق المصاحب لصور أبطال الفيلم ويقول: "ليس هناك مسافة إذن.. ليس هناك حد فاصل بين ما هو شخصي وما هو عام، أم أن القصة كلها تجارب شخصية منفردة، لا تربطها ظاهرة ولا تعبر عن جيلٍ بأكمله". قبل أن يقارب هذه العبارة بتقرير "الجزيرة" حول الحالة الدينية في مصر. هذا من دون أن يعرف المشاهد سبب إعداد الفيلم وبثّه في الأساس.



المساهمون