"فيتو" ترامب: درع السعودية ضدّ الكونغرس

30 يوليو 2019
الصورة
الكونغرس فشل في كسر "فيتو" ترامب(Getty)
+ الخط -
في أقل من 3 أشهر، استخدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتين حق النقض "الفيتو" لإسقاط مشاريع قوانين ضد السعودية، أقرّها الكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب وبتأييد واسع من الحزبين. وفي المرتين فشل الكونغرس في كسر "الفيتو" لعدم توفر الثلثين المطلوب في المجلسين بسبب ضغوط ترامب على الجمهوريين، أو بالأحرى بسبب تهيّب أو، على الأرجح، تخوّف الجمهوريين من عواقب معارضة البيت الأبيض في عام انتخابي.

في مطلع مايو/ أيار الماضي استعمل الرئيس هذا السلاح، لإسقاط تشريع يقضي بوقف الدعم العسكري لحرب المملكة السعودية في اليمن. وقبل أيام كرّر الاستعانة به لتعطيل مشروع آخر بوقف تزويد السعودية والإمارات بصفقة أسلحة بـ8 مليارات دولار.

كذلك تكرّر فشل مجلس الشيوخ مساء أمس الإثنين في التصدي لـ"الفيتو"؛ صوّت ضده 45 مشرعاً فقط من أصل العدد المطلوب 66. السبب ذاته: تراجع الجمهوريين أمام إصرار الرئيس على المضيّ بالصفقة. تمرد 5 منهم وصوتوا ضد "الفيتو". العدد قليل لكنه شديد التعبير. خروجهم عن الصف رغم نزول الرئيس بثقله في الموضوع، يعكس أمرين: مدى الاعتراض الديمقراطي - الجمهوري الواسع على سياسة ترامب تجاه السعودية. وثانياً، عمق النفور من المملكة في الكونغرس، الذي تشير أجواؤه إلى أنه كان من الميسور توفير الثلثين لكسر "الفيتو" لولا التفاف الجمهوريين بالاضطرار حول الرئيس. وهو موقف تشارك فيه جهات وأوساط مؤثرة في دوائر الرأي والقرار في واشنطن. وبالذات الصحافة في الشق الأكبر من منابرها ومؤسساتها المقروءة والمرئية، فضلاً عن مدونات كثيرة تصدر عن معظم مراكز الدراسات والأبحاث في واشنطن.

المآخذ الأميركية على المملكة مزمنة لكنها كانت مكبوتة. التطورات التي توالت مع مجيء القيادة السعودية الجديدة، سرّعت في انفجارها. جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، ربما كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. مضى عليها نحو سنة، لكن حضورها في واشنطن متواصل وبقدر ملحوظ من المطاردة الساخنة للرياض، وخاصة في الكونغرس ووسائل الإعلام. وفاقمت حرب اليمن من النقمة التي جرى التعبير عنها بخطوات تشريعية ضد المملكة والتي جرى صدها بـ"الفيتو"، كما حصل أمس.

وفي الوقت ذاته، فتحت هذه الجهات النار على ملف حقوق الإنسان في السعودية، ومتابعة انتهاكاتها التي يجري تسليط الأضواء عليها في كل مناسبة تخصّ المملكة. منها ما كشف عنه تحقيق موثق بثته شبكة "أن بي سي"، يسرد وقائع "ملاحقة الناشطين والمعارضين للسلطة في الرياض"، من بينها محاولات خطف كما جرى للناشط إياد بغدادي الفلسطيني الأصل المقيم في النرويج والذي كان مقرباً من خاشقجي. وكذلك عملية خطف أمير سعودي سنة 2014 من باريس.

تسليط الأضواء على هذه الممارسات في هذا الوقت، الذي يشتد فيه الجدل حول التعامل مع السعودية، يعزز الدعوات التي طالما تكررت "لمراجعة العلاقة" معها. ويصبّ في هذا المجرى تقرير صدر أمس عن لجنة "الرقابة والإشراف" في مجلس النواب، جاء فيه أن توم باراك أحد أصدقاء الرئيس ترامب، سعى "لتحسين فرص شركات أميركية في تزويد السعودية بالتكنولوجيا النووية".

والمعروف أن إدارة ترامب وافقت على صفقة من هذا النوع بين شركات أميركية والرياض، وأن الكونغرس "لم يبد ارتياحه للمشروع". كما معروف أيضاً أنه غير مطمئن "لتوجه الإدارة التي جعلت من السعودية محور سياستها في الشرق الأوسط".

"فيتو" أمس ليس نهاية الجولة. البيت الأبيض أسقط القوانين، لكن المعركة في الكونغرس يبدو أنها مستمرة. السناتور الديمقراطي كريس مورفي تعهد بعد التصويت بالعودة إلى طرح مشاريع قوانين جديدة عند التئام الكونغرس بعد إجازة الصيف، في سبتمبر/ أيلول المقبل. وذلك في تحدّ واضح للبيت الأبيض الذي ما زال يوفر لوحده تقريباً الدرع الواقية للمملكة في واشنطن.

المساهمون