"فورين بوليسي": محمد بن سلمان رمى الفلسطينيين "تحت الحافلة"

26 يونيو 2018
الصورة
علاقات "دافئة" بين الرياض وتل أبيب (بريندن سميالوفسكي/ الأناضول)

سلّطت زيارة مستشار الرئيس الأميركي جاريد كوشنر ومبعوثه جايسون غرينبلات إلى المنطقة، وحديث الأول عن السلام وفق رؤية دونالد ترامب، الضوء مجدداً حول الأدوار التي تلعبها دول عربية عدة، من أجل طمس القضية الفلسطينية على حساب شعار "مواجهة إيران".

وفي هذا الصدد، تحدّث تقرير حمل عنوان "محمد بن سلمان رمى الفلسطينيين تحت الحافلة" عن تخلي الدول العربية عن قضية فلسطين، وشعور السلطة الفلسطينية بالعزل، وسط "دهشة" من مسار التقارب الإسرائيلي – السعودي – الإماراتي، الذي يدهش محمود عباس، ويفرح قلب بنيامين نتنياهو.

وقالت "فورين بوليسي" إن السلطة الفلسطينية في رام الله تراقب منذ أشهر العلاقات القوية بين إدارة ترامب وبعض دول الخليج بازدراء. واستعادت المجلة ما تناقله الإعلام حول مهاجمة محمد بن سلمان الفلسطينيين خلال لقاء مغلق عقده في نيويورك في شهر آذار/ مارس الماضي مع قادة يهود، مقللاً من أهمية قضيتهم، ومعتبراً أنهم أضاعوا فرصاً للسلام، وعليهم أن يقبلوا بأي صفقة تعرض عليهم.

وكما نقلت "فوريس بوليسي" عن الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد الذي استند إلى مصدر كان حاضراً في اللقاء، فإن آراء بن سلمان هذه صدمت الحاضرين، لدرجة أن بعضهم "وقع عن كرسيه" بالمعنى الحرفي للعبارة. واعتبر رافيد أن موقف ولي العهد السعودي بعيد جداً ومختلف تماماً عن موقف الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وعن الوقت الذي هدّد فيه بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة، أي في عام 2001، إذا لم تتحرك واشنطن لوقف الهجوم الإسرائيلي ضد الفلسطينيين خلال الانتفاضة الثانية.

ولم تمر العلاقات المتزايدة دفئاً بين إسرائيل والسعودية مرور الكرام أمام أعين السلطة الفلسطينية، التي لاحظت أيضاً تشبّث ترامب، منذ الأيام الأولى لرئاسته، بفكرة أن عقد صفقة بين الفلسطينيين وإسرائيل (أو ما يسمى صفقة القرن) يستوجب انخراطاً لتحقيقه من دول المنطقة.

كذلك، فإن السلطة الفلسطينية أصيبت بدهشة حين منحت الرياض موافقتها لشركة الخطوط الهندية، بالتحليق في أجوائها، في طريقها إلى تل أبيب، ولاحقاً حين "اعترف" محمد بن سلمان لمجلة "ذا أتلانتك" بحق إسرائيل "في أن يكون لها أرض". وفيما قاطعت "السلطة" اجتماعاً في واشنطن حول الأزمة الإنسانية في غزة في آذار/ مارس الماضي، لم تبخل دول عربية عدة، بما فيها مصر والإمارات والسعودية، بحضورها، بالإضافة إلى إسرائيل.

ورأى تقرير "فورين بوليسي" أن الفلسطينيين لم يعودوا محور تركيز واهتمام أجندة المنطقة، ولا يشعر المسؤولون في السلطة الفلسطينية براحة، وهم يرون بعض زعماء الدول العربية وقد حولوا اهتمامهم إلى إيران، مركزين على أدوار طهران في اليمن والعراق وسورية.

ورأى التقرير أيضاً أنه غالباً ما يصرح قادة العرب بدعمهم القضية الفلسطينية، لكن الفلسطينيين يعلمون أن هذه التصريحات هي غالباً أيضاً "منافقة". فمعظم المساعدات التي أعلنت الدول العربية المانحة عن نيتها تقديمها لإعمار غزة بعد العدوان الإسرائيلي على القطاع في عام 2014 لم تر النور، فيما جفّ الدعم الحكومي العربي للأراضي المحتلة. وعوضاً عن ذلك، تحول اهتمام الحكومات العربية الدبلوماسي، خصوصاً لمعالجة المشاكل الداخلية

وتحقيق الاستقرار، ومواجهة الأعداء الإقليميين، كإيران، وحلّ الخلافات العربية – العربية، وقتال الإسلاميين.

وفي هذا الإطار، نقلت "فورين بوليسي" عن شبلي تلحمي، الأستاذ في جامعة ميريلاند، والباحث غير المقيم في معهد "بروكينغز"، قوله إن قادة العرب لديهم اليوم ليس فقط الأولويات التي تتجاوز القضية الفلسطينية، بل كل الأسباب والحوافز لمنع شعوبهم من الدفاع عن هذه القضية. وبرأي الباحث، فإنه في الوقت الذي كانت فيه حكومات العرب ترى في "هوس" الشعوب العربية بقضية فلسطين وسيلةً لإلهاء الرأي العام العربي، إلا أن الشعوب العربية اليوم تستخدم القضية الفلسطينية كوسيلة لأنها لا تستطيع مواجهة حكوماتها مباشرة، للتعبير عن سخطها في ما يتعلق بالهموم الاقتصادية والاجتماعية، كالبطالة والفقر.

وتستدرك المجلة بأنه رغم كلام محمد بن سلمان بشأن القضية الفلسطينية، إذ قال إن علاقات بلاده لن تتحسن مع إسرائيل إلا في حالة حصل تقدم ملموس على مسار الملف الفلسطيني، إلا أنه استخدم نزاعات المنطقة المختلفة لمواجهة إيران، وحرف الانتباه عن قضيتهم، مشيرة إلى أن الفلسطينيين الآن اكتشفوا أنهم لا يستطيعون الاعتماد على حلفائهم التقليديين في العالم العربي، ولم يعد لديهم النفوذ بسبب التناسق في العلاقة الإسرائيلية السعودية، والخلافات الفلسطينية الفلسطينية، واعتمادهم الكامل على المساعدات الخارجية.

 

وبالعودة إلى محمد بن سلمان، فقد رأت الصحيفة أنه بالرغم من أن الأخير قد ادعى في العلن دعمه الفلسطينيين، وادعى أن أي نوع من التقارب في العلاقات بين إسرائيل والدول الخليجية، بما فيها السعودية، لن يحصل إلا مع تحقيق تقدم ملموس وواضح على صعيد عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، إلا أنه أظهر تصميماً على رغبته في استخدام مشاكل المنطقة المتعددة، وخشية الرياض من تمدد نفوذ طهران، لصرف الأنظار عن قضية فلسطين.

وقالت المجلة الأميركية، إن الفلسطينيين أدركوا أنه لم يعد بمقدورهم بعد الآن الاعتماد على حلفائهم التقليديين في العالم العربي. فالتفاوت الواضح في القوة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ومعه الخلافات الفلسطينية - الفلسطينية، والاعتماد على المساعدات الخارجية، قد تركت جميعها الفلسطينيين من دون أي قدرة فعلية على فرض أنفسهم والتأثير.

لذا فإن واحداً من الخيارات الأخيرة للفلسطينيين أصبح التحول إلى "المجتمع الدولي"، كما فعلوا في السنوات الأخيرة، عبر محاولة الانضمام إلى المنظمات الدولية والمعاهدات، كجزء من استراتيجيتهم لتحقيق الاعتراف بالدولة الفلسطينية، أو الضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات عبر مواصلة رفع الشكاوى ضدها والمطالبة بمحاسبتها على جرائمها في المنابر الدولية.

ولفتت المجلة في هذا الصدد إلى أن هذا التكتيك الفلسطيني نجح في بعض الأحيان، لكن المناخ السياسي الدولي اليوم يختلف عما كان عليه في عهد باراك أوباما، لأن الإدارة الأميركية في عهد دونالد ترامب واضح بشراسة موقفها المعارض للفلسطينيين داخل الأمم المتحدة.

وبعد تعداد التقرير لأسباب إحباط الفلسطينيين، ومشاكلهم الداخلية، على الصعيدين السياسي والشعبي، عادت "فورين بوليسي" مجدداً إلى السعودية، إذ رأت أن هذا الإحباط الفلسطيني من فشل "السلطة" في إمكانية تقريبهم من حلم الدولة، يضاف إليه التبدل في أولويات الدول العربية، قد جعلا من ملامح "صفقة" سعودية – أميركية – إسرائيلية أكثر وضوحاً: دولة فلسطينية منزوعة السلاح، من دون القدس كعاصمة، أرض بسيادة منقوصة، ومن دون تواصل جغرافي، وحلّ غير عادل لقضية اللاجئين.

واستناداً إلى تقرير في مجلة "نيويوركر"، فإن محمد بن سلمان ومستشار ترامب جاريد كوشنر قد اتفقا على تحالف استراتيجي في الشرق الأوسط، سيركز على محاصرة إيران ودفع الفلسطينيين للقبول بعرض للسلام. وبحسب ما نقل، فإن بن سلمان قال حول الاتفاق "سأجلب الفلسطينيين، وترامب سيقنع الإسرائيليين".

هكذا، علّقت "فورين بوليسي"، فإن كلام الملك المقبل للسعودية انساب كالموسيقى في أذني بنيامين نتنياهو، الذي يرى أن الواقع الجديد في المنطقة يجعل من التوصل إلى حلّ مع الفلسطينيين أمراً غير مُلّح، إن لم يكن غير ضروري حتى.

وبالمقارنة مع أكثر من عقدٍ إلى الوراء، فإن التغيرات الإقليمية قد مهدت الطريق أمام فرصة لإسرائيل لتطبيع العلاقات رسمياً مع "جيرانها"، ولكن هذه المرة من دون اتفاق سلام.

وقال التقرير إن السعودية والإمارات قد انتقلتا من مرحلة التودد لإسرائيل سراً، إلى مرحلة إيصال استعدادهما ورغبتهما في بناء علاقات معها تتخطّى الصلات السرية.

وختمت "فورين بوليسي" بالقول إن خيارات الفلسطينيين اليوم ضيقة: وقف التعاون الأمني مع إسرائيل، تفكيك السلطة، وإجبار إسرائيل على تحمل مسؤولية احتلالها العسكري، أو الالتفاف حول الغضب والعصيان الشعبي ووسائل المقاطعة... أو بإمكانهم الرضوخ لخطة محمد بن سلمان والمتآمرين معه، والتركيز على عزل "حماس"، ومعاقبة الفلسطينيين في غزة، فقط لأنهم ولدوا هناك... ولكن ليس من دون أن يواجهوا غضب شعبهم.