"فلننشرها في ديارهم": دعوة للسخرية السوداء

11 يونيو 2019
الصورة
إيميليو تاديني/ إيطاليا
+ الخط -

ما الشيء الذي يجب أن ننتظره من سخرية سوداء يمكن أن تكون شرسة وغير مجدية، أو حتى غبية، عندما يكون الهدف الضحية وليس الجلاد، كما حدث مؤخّراً في مسلسل سوري يسخر من ضحايا الهجمات الكيماوية؟ وهل يمكن لمثل هذا التزييف أن يجد موطئ قدم له حتى بين أكثر المغالين في الدفاع عن الاستبداد والمستبدّين؟ لا شك في أن الخيارات تتجاوز أيَّ انحلال مهما كانت شدته، إلا أنه لا مفر من الاعتراف بأن التكرار له شأنه، وإلا لماذا يفجر المسلمون أنفسهم؟ لأنهم لا يجيدون الطيران. نكتة سمجة، أليس كذلك؟ كلّا، إنما هي رؤية بحاجة إلى إعادة نظر.

وعلى الرغم من أن السخرية السوداء يمكن أن تكون غاية في حد ذاتها، ولها هدف وحيد هو التحفيز على الضحك من خلال انتهاك القواعد غير المكتوبة للذوق السليم، فقد تم استخدامها أيضاً في المجالات الأدبية وغيرها من وسائل الميديا بقصد دفع الأشخاص للتفكير بجدية في الأحداث أو الموضوعات التي تُعتبر عموماً شديدة الخطورة أو حتى من المحرمات، مثل الحروب والموت والعنف والدين والمرض والجنس والتنوع الثقافي وجرائم القتل وهلمّ جرّا.

واللجوء إلى السخرية السوداء كتعبير ضروري يُقصَد منه إبراز حالات معينة من الظلم الاجتماعي والأحكام المسبقة يتطلب فهم بعض الرموز الاجتماعية والسياسية والثقافية وتفكيكها، ومن ثم وضعها في سياق قادر ليس على إثارة الضحك فحسب، بل الوقوف عند المغزى والبحث عن مواطن الخلل.

بهذا الصدد، هناك اختلافات في التعبير يمكن من خلالها إيجاد علاقات بين روح الدعابة والأحداث الراهنة، وهو ما نجده في كتاب جماعي بعنوان "فلننشرها في ديارهم"، صدر مؤخراً عن دار "أنسامبل" في روما، جمع نصوصاً لكتّاب مهاجرين بالإيطالية، وفيه نلمس محاولة لتحليل العلاقة بين روح السخرية والهجرة، باعتبارهما طريقاً شائعاً لتواصل متعدّد الأوجه في تاريخ البشرية.

قام بوضع الخطوط الأساسية لهذا المشروع، أي استخدام السخرية السوداء للوقوف في وجه هجمات الشعبويين والفاشيين والعنصريين ضد الأجانب وتحميلهم وزر كل أزماتهم الاقتصادية والسياسية، مثقفان إيطاليان، هما رفائيل تاديّو وماتيو أندريوني. الأول هو ناقد ومختص في أدب المهاجرين في إيطاليا منذ بداياته في عام 1989، وهو أيضاً رئيس جمعية "لا تندا" (الخيمة) التي تُعنى بتدريس اللغة الإيطالية للمهاجرين. أما أندريوني فهو كاتب ومخرج مسرحي، كان من أوائل الذين قاموا بتجارب مسرحية مع ممثلين مهاجرين من مختلف الجنسيات.

تغيّر عنوان هذا العمل أكثر من مرة، ولعله من الجدير أن نشير إلى أن العنوان الذي جرى الاستقرار عليه هو تحريف ساخر للشعار المقنّع الذي يرفعه دعاة طرد الأجانب منذ عدة سنوات: "فلنساعدهم في ديارهم"، الذي تحوّل إلى "فلننشرها (أي الكتب) في ديارهم"!

في مقدّمته الطويلة للكتاب، يقول جوفان أنطونيو فارابوسكو بعدم إمكان أن نجزّئ الإنسانية، فبحسبه "نحن إنسانيون عندما نتضامن أو لا نتضامن مع اللاجئين القادمين من البحر، ونحن أيضاً لسنا سيئين إنما طيبون بطريقة مختلفة!".

من جهة أخرى يكتب: "من يهاجر يذهب نحو المجهول. ينطلق من أرضه ولا يعرف أين يمكن أن ينتهي به المطاف. إنه يترك كل شيء وليس ثمة ضمان بأنه سيجد أي شيء. لكن إذا كان هذا العالم - عالم المهاجرين واللاجئين تحديداً - غالباً ما يكون قاسياً ومحاطاً بهالة مأساوية ذات وقع شديد، فهل يمكن للسخرية السوداء أن تخفّف من وطأته؟".

لعلنا هنا نستحضر مثالاً مثيراً للاهتمام قدّمه الكاتب الإغريقي الساخر أريسطوفان، وهو الذي حاول أن يعكس في أعماله المختلفة، بشكل خاص السياسة في عصره، بتفنيده مختلف النماذج والوقائع التي كانت تجثم على كاهل أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، وفي عمله "الطيور" انتقد بسخرية بالغة غطرسة أثينا وعنجهيتها العسكرية. يمثّل هذا العمل نقطة حرجة في مغزى تاريخ السخرية في الغرب، فهي تأخذ على عاتقها دائماً المشاكل الاجتماعية وتترجمها في ما بعد إلى لغة نشطة ومتحرّرة، حيث تحاول من خلالها حلّ ما استعصى على الساسة والحكام.

ويحيلنا هذا الأمر إلى أنه من الممكن أيضاً إجراء دراسة منهجية لحسّ السخرية كأداة تسمح لنا بإبراز وإعادة بناء، على الأقل جزئياً، إمكانيات أخرى لفهم الحاضر. ربما هذا المنهج يبدو محدوداً، وتعيقه بعض القيود، لكنه في الوقت نفسه يتيح المجال لدراسة أعمق وأوسع للمجتمعات البشرية. والهدف من هذه النصوص التي تعكس دور السخرية في مجال الاندماج الاجتماعي هو اقتراح طريقة جديدة لفهم حقائق الماضي والحاضر، وإعادة بناء الروابط بين الأفراد بغض النظر عن منشئهم وجنسياتهم، في فضاء من الشراكة المتبادلة.

من ناحية أخرى، نجد أن هنالك فترات من التاريخ الأوربي، مثل العصور الوسطى، كانت بعيدة جداً عن روح الدعابة، وفترات من مسار البشرية جوبه فيها الضحك والكوميديا بالقمع، وصولاً إلى حظرهما واستبعادهما تماماً، مثلما حدث في عهد الديكتاتورية النازية في ألمانيا.

ضمّت المجموعة 19 قصة ساخرة اشترك في كتابتها كل من: أدريان برافي من الأرجنتين، وكريستيانا دي كالداس بريتو من البرازيل، وميهاي ميرتسيا بوتكوفان من رومانيا، وكوصّي كوملا- إيبري من توغو، وبَبْ عبد الله خوما من السنغال، وداريين ليفاني من ألبانيا، ومحمد مليح من المغرب، وبوجيدار ستانيسيتش من البوسنة، ويوسف وقاص من سورية.

من بين الأمور التي تطرّق إليها الكتاب، استيعاب وتقييم مفاتيح البناء التاريخي، وفي الوقت نفسه التركيز على روح الدعابة لفهم الحياة اليومية للمهاجرين والسياقات التي تحيط بهم، ومدى الجهل والتجاهل الذي يغلّف وجودهم بشكل عام. ومع ذلك، ليس ثمة أي شيء أكثر أهمية من سؤال يقع ضمن هذا السياق: فأثناء تقديم الكتاب في "المكتبة الوطنية" بميلانو، سألت إحدى السيدات بمنتهى اللطف والجدّية: وهل وصلت تلك المرأة مع ابنها إلى شواطئ لامبيدوزا؟

المساهمون