"فتاة سهلة": لعبة أداء بإدارة ريبيكا زْلوتوفسكي

28 اغسطس 2020
الصورة
زاهية دوهار: جمال أخّاذ (ستفان كاردينالي/كوربيس/Getty)
+ الخط -

مراهقتان فرنسيتان في "كانّ". إجازة الصيف تدفعهما إلى تمضية وقتٍ في مدينة ساحلية مليئة بالحياة والمغامرة والاختبار، أو باحتمالات هذا كلّه. العيش فيها مقبول لمنتمين إلى طبقة اجتماعية فقيرة، أو عادية للغاية. المراهقتان تريدان عيشاً يُبعدهما عن ضغطِ عامٍ دراسيٍّ بالنسبة إلى إحداهما، وعن ضغطِ ارتباكٍ ذاتي داخلي مؤلم بالنسبة إلى الأخرى. تعيشان معاً تلك الفترة الصيفية، فهما قريبتان، والمرتبكة نفسياً تعاني ألم فقدان والدتها بحادثٍ قبل وقتٍ قليل.

هذا عالم "فتاة سهلة" (Une Fille Facile) للفرنسية ريبيكا زْلوتوفسكي (1980)، المعروض للمرة الأولى عالمياً في قسم "منتصف شهر المخرجين"، في الدورة الـ72 (14 ـ 25 مايو/أيار 2019) لمهرجان "كانّ" السينمائي، والفائز حينها بجائزة SACD (جمعية المؤلّفين والملحّنين الدراميين في مجالات السينما والرقص والموسيقى والراديو والتلفزيون والمسرح). عروضه التجارية الفرنسية، بين 28 أغسطس/آب و2 أكتوبر/تشرين الأول 2019، تجذب 83 ألفاً و583 مُشاهداً، بينما الإيرادات العالمية تُحقِّق 605 آلاف و992 دولارا أميركيا (ويكيبيديا)، علماً أن الموقع الإلكتروني الأميركي "موجو" (المتخصّص في الإيرادات السينمائية)، يذكر أنّها تبلغ 644 ألفاً و582 دولارا أميركيا، منذ بدء عروضه التجارية الفرنسية/ الدولية.

النقد الفرنسي منسجمٌ والمناخ الدرامي العام، ومتأثّر به: "مليء بمراجع سينمائية مرتبطة بستينيات القرن الـ20، من (بريجيت) باردو إلى (إيريك) رومر، يكشف الفيلم في زاهية دوهار (مؤدّية أحد الدورين الأساسيين) ممثلة فائقة الحداثة ورقيقة، في خدمة تاريخ اجتماعي مُشعّ، يتمتّع بحلاوة حكاية صيفية" ("ليبراسيون"، 27 أغسطس/ آب 2020). دوهار نفسها (المُشاركة في كتابة السيناريو مع زْلوتوفسكي وتيدي لوسّي ـ موديست) تحتلّ مكانةً أساسية في مقالة لـ"بروميير" (الموقع الإلكتروني للمجلة الشهرية، 27 أغسطس/ آب 2020): "إنّها قلب الفيلم وجسده وروحه، والفيلم يفقد قوته عند مغادرتها الكادر".

مُشاهدة "فتاة سهلة" تؤكّد هذا، إذْ تمنح دوهار شخصية صوفيا ـ المرتبكة والمثقلة بهموم المراهقة والحبّ والجنس والعلاقات والعيش على التخوم الخطرة للحياة ـ ألقاً كبيراً أمام كاميرا (جورج لوشابْتُوَا) تذهب بها ومعها إلى أقصى الحالات وأجملها، في بساطتها وجاذبيتها وتمكّنها من إيهام الآخرين بسذاجةٍ، تُعطّلها صوفيا بلباقة ومعرفة يُضافان إلى شكلٍ جسديّ لدوهار يُذكِّر كثيراً بباردو.

 

 

رغم هذا، تُوازن مينا فريد سياق الحكايات والمنعطفات والمواجهات والصمت، بتأديتها نعيمة، الفتاة الخجولة التي ترغب في التمثيل لكنّها تتخلّف عن تجربة أداء لانصرافها، اللاواعي ربما، إلى ترف العيش ولو للحظات على متن يخت، مع أثرياء لا مبالين بشيء، ومتشاوفين وقادرين على إنهاء كلّ علاقة مع آخر ليس منهم في وقتٍ سريع. أداء فريد يضع نوعاً من حدودٍ على التفلّت الجماليّ لأداء دوهار، وعلى التفلّت الذاتي المعطوب لصوفيا، فتتساوى القريبتان إحداهما مع الأخرى في التصدّي للخروج شبه الكامل على واقعٍ ومتاهاته، قبل مغادرة صوفيا نهائياً، من دون وداع نعيمة.

"فتاة سهلة" يسرد هذا كلّه بصُوَر أكثر من الحوارات رغم وفرتها، وبتمثيلٍ أكثر من الكلام رغم تواجده المطلوب. للجسد حضورٌ تُغلّفه ظلالٌ معتمة، تكشف بعض المطلوب منه لتبيان علاقات، مرتبكة أو مضطربة أو ساعية إلى معرفة وإحساس بالنسبة إلى صوفيا، أو جنسية بحتة لا أكثر ولا أقلّ بالنسبة إلى فيليب (بونوا ماجيميل)، الثري والمتشاوف والمغامِر. علاقات قائمة بين رجل ومُراهقة، يريد الأول ممارسة عابرة لعلاقة متنوّعة الوجوه، وترغب الثانية في مزيدٍ من الاكتشافات الذاتية المختلفة. وإذْ تُكمِل بعض الشخصيات مسار المراهقتين في دهاليز الحياة، فإنّ شخصيات أخرى تظهر قليلاً، كأنّ المُراد من ظهورها القليل توجيه مسار، أو تهدئة خاطر، أو إثارة تساؤلات، أو تنبيه على مُقبل من الوقت، وعلى ما فيه من تحدّيات ومغامرات.

وإذْ يغوص الفيلم الأخير هذا لريبيكا زْلوتوفسكي في متاهات الجسد والروح في عمر المراهَقَة، فإنّ الاستعانة بجمال الشاطئ والطبيعة في "كانّ" وشمال إيطاليا، يجعل الصُوَر أكثر ألقاً في مقاربة الحميميّ داخل اليخت، أو في غرفة العيش المتواضع لعاملة التنظيفات دنيا (المغربية لُبنى أبيضار)، والدة نعيمة، وفي معاينة انفعالات وتفكيرٍ وبحثٍ عن إجابات وتفاصيل.

المساهمون