"فاوست": القرن 21 يذهب أيضاً إلى الجحيم

11 يناير 2016
الصورة
(مشهد من العرض)
+ الخط -

مدفوعاً ببحثه عن جوهر الحياة الحقيقي، يُبرم الساحر الألماني يوهان جورج فاوست عقداً مع الشيطان في الحكاية الشعبية التي استوحى منها يوهان غوته (1749 - 1832) مسرحيتَه الأبرز "فاوست".

ظهر العملُ في جزأين عامي 1806 و1832. لم يكُن صاحب "آلام فرتر" أوّل من اقتبس الحكاية التي صدرت لأول مرّة عام 1587، ورغم أن كثيراً من الكتّاب في العالم استلهموا فاوست، إلاّ أن النقّاد يعتبرون عمل غوته الأكمل، خصوصاً في جزئه الثاني الذي أتمّ كتابته سنةَ رحيله، أي بعد 26 عاماً من صدور الجزء الأوّل. وفيه، نحا الكاتب الألماني إلى طرح قضايا السياسة والاجتماع؛ ما جعله يُصنّف كأحد أبرز الأعمال التي يمتزج فيها الأدب بالفلسفة.

كما في الأدب، شكّل فاوست مصدر إلهامٍ لكثير من ملحّني العصر الرومانسي، ومن بينهم لودفيغ فان بيتهوفن (1770 - 1827) الذي ألّف في 1809 مقطوعةً موسيقية مستوحاة منه، وأيضاً الموسيقار الفرنسي هكتور برليوز (1803 - 1869) الذي اعتمد أساساً على مسرحية غوته في تأليف بعض المتتاليات الموسيقية.

انتهى الأمر بـ برليوز إلى ثمانية مشاهد تُؤلّف قطعة أوبرالية متكاملةً تمتاز بموسيقى مكثّفة بعنوان "لعنة فاوست"، قُدّمت لأوّل مرّة عام في 1846، وهو العمل الذي انطلق منه المخرج المسرحي الليتواني ألفيس هيرمانيس (1965) في عرضه الأوبرالي الذي قُدّم مؤخّراً في "أوبرا باريس" بالعنوان نفسه.

يتألّف العرض، الذي يقوده موسيقياً مدير "أوبرا باريس" فيليب جوردن، من أربعة أجزاء، ويُشارك فيه اثنان من أبرز الموسيقيين العالميين؛ هما التينور الألماني جوناس كوفمان في دور "فاوست" والباس باريتون البريطاني برين تيرفل في دور "مفستوفيليس"، إلى جانب صوفي كوش في دور "مارغريت"، إضافةً إلى عشرات الممثّلين والراقصين الذين يتحرّكون ضمن سينوغرافيا عصرية، تؤثّثها إضاءة بألوان متغيّرة ولوحات تظهر على شاشة عملاقة تغطّي خلفية المسرح.

يمثّل فاوست شخصية نمطية ورمزاً للحضارة الغربية بكلّ تناقضاتها (الروح/ المادّة، الإنجازات/ الشرور..). وفي تنقّلاته بين الأدب والمسرح والسينما، ظهر بأشكال مختلفة، بحسب البلد أو الموضوع الذي يطرحه العمل، لكن من دون أن يتخلّى عن شخصيته الإشكالية وأسئلته الوجودية.

أمّا هيرمانيس، فيقدّمه في عرضه الجديد عالِماً مُقعداً (ينتحل هيأة الفيزيائي ستيفن هوكين) يريد استعمار الكواكب الأخرى من على كرسيّه المتحرّك. إنه، ببساطة، فاوست القرن الحادي والعشرين الذي تشغله قضايا مغايرة وتُسيطر عليه هواجس مختلفة عن فاوست التاريخي. وفي المقابل، يبدو أن مفستوفيليس (الشيطان) لم يختلف كثيراً؛ إذ ظلّ محتفظاً بقدرته على تملّك الروح الإنسانية ودفعها إلى الأسوأ.

ينطلق العمل من فكرة استيطان البشر كوكب المريخ بحلول العام 2025، لينسج قصّة عالِم يتحالف مع الشيطان. وإن كان غوته قد اختار الخلاص لبطل مسرحيته، فإن هيرمانيس يختار له نهايةً أكثر تطرّفاً؛ حيث ينحدر فاوست والشيطان - كما في نهاية برليوز - إلى قاع الجحيم الذي يُستقبلان فيه بهتافات شيطانية، لكن ذلك سيكون مجرّد كابوس يراه فاوست، بينما النهاية الحقيقية ستكون رحلةً إلى كوكب المرّيخ من دون عودة.

كأيّ عمل مُستوحى من أسطورة فاوست، يطرح العرض مساءلات أخلاقية لجشع الإنسان الذي يبدو في صيغته المعاصرة أكثر تطرّفاً؛ إذ لا يكتفي البطل بالبحث عن جوهر الحياة في الأرض التي خرّبها الإنسان، بل يمتدّ هوسه إلى كواكب أخرى، ما يعني أن خرابه سيمتدّ إليها.

أمّا النهاية، فتمثّل إدانةً لنزعته التوسّعية على كلّ المستويات. إنه ذهاب بلا عودة، كأن نهاية حياة الإنسان وأحلامِه جميعها، ستبدأ حين يُحقّق أحلامه.

المساهمون