"غوغان - رحلة تاهيتي": عملية تجميل لـ"مغامرة" فرنسية

22 نوفمبر 2017
الصورة
(لقطة من الفيلم)
+ الخط -

تعرض دور السينما الأوروبية حالياً فيلماً بعنوان "غوغان - رحلة تاهيتي" للمخرج والسيناريست الفرنسي إدوار ديلوك. ويقدم لنا هذا الفيلم جوانباً من حياة الفنان الفرنسي بول غوغان (1848-1903) خلال رحلته الأولى إلى جزيرة تاهيتي التابعة لفرنسا الكولونيالية في ربيع سنة 1891. وغوغان لمن لا يعرفه هو واحد من المصورين ما بعد الانطباعيين وهو أيضاً من أهم وجوه الفن الحديث في القرن التاسع عشر ممن أثروا في كثيرين مثل جماعة "الأنبياء" والرمزيين، كذلك التعبيريين و"الوحوش"...

لا يطلعنا الفيلم على حياة غوغان قبل هذه المغامرة إلا بالقليل، لا على اهتمامه المتأخر بالفن والذي مارسه أولاً أيام الآحاد ولا عن تردده على أكاديمية الإيطالي كولاروسي، ولا أيضاً عن علاقاته بفناني "بون آفن" أو بالانطباعيين أو عن لقائه العاصف مع فان غوغ بل اكتفى ببضعة مشاهد، لنقل تحضيرية لقصة الرحلة الكبرى.

ففي سنة 1874 يتعرّف غوغان على الانطباعي كامي بيسارو ويعرض مع الانطباعيين ابتداءً من سنة 1879، ويتنقل كثيراً ما بين المدن الفرنسية يرسم هنا وهناك، كما يحاول حيناً العمل في التجارة في الدنمارك لكنه لم يوفق، فيترك عائلته - زوجته الدنماركية وخمسة أولاد - عائداً إلى باريس سنة 1885.

ويُطلعنا الفيلم باختصار على تلك المرحلة وحالة العسر المادي التي عاشها وأنه كان في تلك الأيام فناناً مغموراً وأعماله بالكاد تلقى قبولاً لدى النقّاد ورواجاً في سوق الفن. كما سيتكلم الفيلم عن عجز مادي عرفه في تاهيتي الأمر الذي اضطره إلى العمل في الميناء عملاً عضلياً مضنياً.

لهذه الأسباب قرّر الفنان، منهكاً، الرحيل إلى تاهيتي ليكرس حياته للرسم، فقد كان متعطشاً لإلهام جديد بعيداً عن "الحضارة"، ولمواضيع وأجواء غير تقليدية أو مصطنعة: يصرح لأصدقائه في الفيلم أنه راحل لأنه "سيختنق"... فيودع عائلته قائلاً لزوجته "إن أولادها سيكونون يوماً فخورين باسم أبيهم" ويمضي في رحلته التي موّلها بحسب المؤرخين ببيعه عدداً من اللوحات.

في تاهيتي، لم يسكن غوغان (ويجسد دوره الممثل الفرنسي فانسان كاسيل) مع الفرنسيين بل استقر ما بين السكان المحلّيين، وتروي المشاهد لقاءه بعائلةٍ تعرض عليه الزواج من ابنتها وتدعى تدللاً تيهورا (أداء تيهي آدامس). وهذه الفتاة "البالغة" في الفيلم، ما هي في الحقيقة إلا بنت قاصر في الثالثة عشرة من العمر واسمها تيهامانا. يقدم الفيلم علاقته بها كزوجة وحبيبة تتحمل شظف العيش معه وكموديل جسّد من خلاله أروع اللوحات التي تتوزعها حالياً أكبر المتاحف العالمية.

هذه العلاقة التي نجدها هنا شاعرية تخالف أيضاً التاريخ، فالرسائل التي كان يرسلها غوغان إلى أصدقائه في الوطن الأم كانت تعج بالمفاخرة بعلاقاته الجنسية المتعددة مع فتيات كثيرات يستدرجهن إلى فراشه مقابل أشياء بسيطة. وهذا بالتالي لا يبرّر غيرته الكبيرة على تيهورا بحسب الفيلم، حين يحبسها في المنزل خوفاً من شاب تاهيتي يصغره سناً، تميل إليه، كان يساعده في قطع الأخشاب كما كان ينحت أحياناً إلى جانبه.

وتعرض القصة هنا كيف أن هذا الشاب كان ينسخ عن غوغان، بينما لا يختلف اثنان على أن منحوتات غوغان كانت مستلهمة من فن تلك الجزر "البدائي"! وعبر علاقتهما يمرّر المخرج بعض الوصايا التي يمكن لأي فنان أن يقولها لتلميذه وهي ألا ينسخ عن غيره أو لا يكرر عمله بل يكتفي بنسخة وحيدة منه وينتقل لفكرة أخرى في عمل مستقل آخر.

كذلك، يتجنّب الفيلم ذكر حقيقة المرض الذي ألم به وهو السيفلس والذي نقله إلى عشيقاته... صور أراد المخرج تجميلها ليظهر الفنان وكأنه قدّيس يبحث عن الجنة الحقيقية.

لنكتف هنا إذاً بقصة الحب هذه، وبمشاهدة الفنان وهو يرسم بشغف، كما بمعاناته من الفقر، كصورة نمطية للفنان.


* تشكيلي سوري مقيم في ألمانيا

دلالات

المساهمون