"غزية" لنبيل عيوش: مقاربات متناقضة

11 ابريل 2018
الصورة
من "غزية" لنبيل عيوش (الملف الصحافي للفيلم)
+ الخط -
شارك نبيل عيوش بـ"غزية"، فيلمه الروائي الطويل الـ6، في الدورة الـ19 (9 ـ 17 مارس/ آذار 2018) لـ"المهرجان الوطني للفيلم بطنجة" (المغرب). لم يحضر المخرج، بل مريم التوزاني، التي تؤدّي دور سليمة، العصرية في ملابسها. في أحد المشاهد، تكاد البطلة "تغتصب" حبيبها؛ وعندما بدأ يقبّلها، صارت ترفض مداعباته. واضح أن منطق السرد لم يقمع تطوّر العلاقة الحميمة. تظهر سليمة بملابس قصيرة جدًا في شارعٍ في "كازابلانكا"، فيقول لها العابرون: "استري نفسك". تريد أن تكون ثورية. تتداوى بالأعشاب. تبحث عن حرية تجريدية: حرية التدخين، لا حرية اقتصادية تُنتزع بالأظافر. تدفن عصفورًا ملوّنًا بحنانٍ، وتفكر في التخلّص من جنينها. 

هذا أول دور للتوزاني في فيلم سينمائي يُخرجه زوجها. لم يكن نبيل عيوش وحده من صوّر زوجته في أفلام مُشاركة في هذا المهرجان. تمشي سليمة على شاطئ البحر، وتتبعها الكاميرا عن قرب، ليظهر الجسد الجميل الذي غزا قلب المخرج. عُرض الفيلم للمرة الأولى في المغرب في عيد الحب (14 فبراير/ شباط 2018).

قفزة في الزمان والمكان: معلّم في جبال المغرب، في الثمانينيات الماضية. امرأة تحكي لتكمل المعلومات التي لا تقدّمها اللقطات. بدوية تتكلّم بمعجم يساري نضالي. معلّم يدرِّس مُقرَّرًا تعليميًا بلغةٍ لا يفهمها تلاميذه. إلخ. يؤدّي أمين الناجي دور المعلّم بسلاسة، حتى عندما يظهر أنه لا يفهم الحوار الأمازيغي الذي يؤدّيه. تحكي "يطو" عن المعلّم، حبيبها. تحكي سيرة ممتدة على 40 عامًا، تحمل "فلاش باك" بصريا، لكن الـ"فلاش باك" اللغوي مُضجر.

قفزة أولى: صاحب مطعم تحبّه النساء، ثم يهربن منه حين يعرفن دينه. المجتمع غير متسامح.
لا تتقاطع القصص لأنها لا تنتمي إلى زمن واحد. هناك شخصيات في دروب ومسارات تتراكم ولا تتقاطع. يبدو الفيلم تجميعًا لـ5 أفلام قصيرة، إنْ يُحذف أحدها، لن يتضرّر الباقي منها. واضح أنه لم تكن لدى نبيل عيوش قصّة ليرويها، بل قصص متجاورة سطحية، تعرض ما يظهر في وسائل الإعلام. قصص تجمعها أنتربولوجيا مستنْزَفَة: وشم كسكس، دعاء في مقبرة، بخور، بخار حمام شعبي، حنّاء، ماء زهر، عادة سرية، طبل، إلخ. وفي الشارع، شعب يشعل الحرائق. هل يمكن لمجتمع غير متسامح أن يثور؟

قفزة ثانية: بعد ساعة، تبدأ قصة أخرى. مراهِقة تستمع إلى ثرثرات صديقاتها عن العذرية والحلال والحرام. تسمع، وتردّ بملامحها.

يبدأ الافتعال الميكانيكي حين تتزوّج مراهقة أخرى، فتهرب الأولى لتمارس العادة السرية. هكذا، أنقذ نبيل عيوش السنيما المغربية من هيمنة السينما النظيفة، التي تضع عينها على أموال التلفزيون.

الفيلم عبارة عن شذرات مكانية وزمانية. يُمكن افتراض أن المخرج بحث عن الـ"بوليفونية" (Polyphonie)؛ عن تقديم كلّ أصوات المجتمع وفئاته وأمزجته في فيلم واحد. ليكن تعدّد الأصوات، لكن الـ"بوليفونية" (تعدّد الأصوات) بالإكراه كارثة فنية. لا يقدّم الفيلم احتكاكًا لمختلف أشكال الوعي، ولا يلتقط التعدّد في اللقطة الواحدة، بل يبدو كأن كلّ شخصية تقول مونولوغًا لا حوارًا.



في "غزية"، تتجاور اللقطات والقصص، لكنها لا تتقاطع. لا يوجد مسوّغ للانتقالات. ما سبب الانتقال الزمني والمكاني؟ لا جواب.

يريد نبيل عيوش تصوير شخصيات ثورية، لكنها لا تظهر متجذّرة في واقعها. هذا يوحي بالافتعال. لهذا، فهي غير مقنعة. في الفيلم، شخصيات باردة وعدوانية بالفطرة، لذلك تصرخ المراهقة في وجه مربيتها: "أنتِ لا أحد". واضح أن هذه ترجمة حوار مكتوب بالفرنسية أصلاً. في الحقيقة، عندما ينظر المخرج إلى المجتمع من بعيد (من الشمال)، يتغيّر حجم البشر والأشياء. يبدو المغرب في الجنوب أصغر.

بعد عرض الفيلم، علّق الصحافي الفني المحجوب فريات قائلاً: "يبدو أن المهم لدى عيوش هو أن يرى الأجانب المغربيات عاريات في الحمّام، لا أن يرى المغاربة أنفسهم في الفيلم. لقد نسي عيوش أن أفلامه المغربية لا الأجنبية سبب شهرته. إنها مجرّد استجابة لطلبيات عاجلة".
فعلاً، حقّق نبيل عيوش شهرته وشرعيته الفنية بفضل فيلمي "علي زاوا" (2000) و"يا خيل الله" (2012). لكن، عندما يُصوِّر أفلامًا عن حرية تجريدية للنساء، وعن أن المرأة تحصل على ما تريده، كما في "كل ما تريده لولا" (2008) مثلاً، فإن "المدام" تُضيِّع الفيلم. هذا يولِّد مشكلة: حقّق نبيل عيوش تراكمًا مهمًا في المشهد السينمائي المغربي. لكن تغيير موقع الرؤية بين فيلم وآخر يكسر وحدة المقاربة وتماسكها واستمراريتها.

أحْدَثَ "علي زاوا" صدمةً إيجابية لأجيال من المغاربة، عرفوا صورة الطفولة السعيدة من خلال سيرة "في الطفولة" لعبد المجيد بنجلون، المدلّل في فاس، وهو يصطحب وسادته الناعمة حين يتنقل بين منازل أقاربه. في "علي زاوا، أمير الشارع"، قدّم عيوش صورة أخرى للطفولة غير تلك التي رسختها السيرة التي تدرَّس في التعليم المغربي منذ 50 عامًا. "علي زاوا": لا منازل ولا أهل ولا وسادة. عاش ملايين المغاربة طفولة أقرب إلى طفولة علي زاوا ومحمد شكري، كاتب "الخبز الحافي"، التي لم تُدرَّس قط.

في "كل ما تريده لولا" و"غزية"، عاد نبيل عيوش إلى "أفلام الطلبيات"، المنفصلة عن الواقع المغربي. بالتجربة، يتفوّق عيوش على نفسه، حين يصوِّر في حي صفيحي شخصيات واقعية. عندها، يرتبط بالـ"هنا والآن"، مع خلق مسافة جمالية لكي لا يلتبس الفن بالواقع. في "علي زاوا"، تذهب جثة الطفل في البحر كي لا تُدفن في أرضٍ أهانتها. في "يا خيل الله"، تبنّى عيوش خصائص "الفيلم الأطروحة" (Film A These)، فبدا كأن المجتمع المغربي ينحدر إلى التطرّف بلا مقاومة، إذْ تأسّس الفيلم على فرضية في علم الاجتماع، مفادها أن نسبة كبيرة من الأطفال الذين يتعرّضون للعنف والإيذاء الجنسي يصيرون جانحين. اتّخذ الجنوح هنا شكل تشدّد ديني دموي.

جعل نبيل عيوش من الثالوث المحرّم محور أفلامه. بذلك، يوفّر لها دعاية مسبقة، بفضل الموضوع. بحثًا عن هذه الدعاية، ينتهي فيلم "غزية" بالمخرج وهو يدفع بطلته للسباحة في البحر عارية، وحيدة، جميلة، هادئة، وحرة. كانت حرة في ذلك منذ البداية (تلبس ما يحلو لها، وتدخن، إلخ.).

ما صلة اللقطة العارية بكل ما سبق؟ يبدو أن هذا يهدف إلى جعل الممثلة الزوجة نجمةً سينمائية فورًا. استنادًا إلى هذه الفرضية، يُمكن القول إنه ليس صدفة أن يغيب المخرج عن "مهرجان طنجة" وتحضر الزوجة، مريم التوزاني. مع هذا، لم تُلغَ مناقشة "غزية" مع الصحافة، كما جرت العادة عندما يغيب المخرج. حصل استثناء هذا العام، وحضرت التوزاني جلسة المناقشة. واضح أن العلاقات العائلية مُضرّة بالسينما.

المساهمون