"عندما تشيخ الذئاب"... كلّما اتّسع الحدث ضاق المكان

14 مايو 2019
الصورة
مرآة لا تخلو من مرثية واقع مرّ (فيسبوك)
يبدو أنّ المخرج السوري عامر فهد نجح في استثمار قصة الروائي الأردني ـ الفلسطيني الراحل جمال ناجي، في مسلسل "عندما تشيخ الذئاب". الرواية التي تحمل العنوان نفسه، صدرت عام 2008، ونالت شهرة واسعة. وها هي في رمضان الحالي، تتحوّل إلى مسلسل سوري من بطولة سلوم حداد، وعابد فهد، وأيمن رضا، وسمر سامي، وميسون أبو أسعد، ومحمد حداقي. ما ساهم في نجاح العمل الذي يلقى أصداءً إيجابية منذ بدء عرضه مطلع رمضان، هو تبسيط كاتب السيناريو السوري حازم سليمان، نص الرواية، وتحويلها بسلاسة إلى مسلسل ومشاهد تجسد أحداث القصة المتسلسلة، ليجد المشاهد نفسه أمام صورة مصغرة عن الألم اليومي، المعاناة من الفقر والعوز، والفساد. 

يستعيد حازم سليمان وعامر فهد، في "عندما تشيخ الذئاب"، تفاصيل الحارة السورية، لكن في الوقت نفسه، يبدو صعباً حصر النصّ في شوارع دمشق فقط، بل إنّ تصاعد السيناريو يجعل الأحداث أوسع من المكان، فيتمكّن المشاهد من الربط بين أحداث المسلسل ومختلف المجتمعات العربية، سواء في سورية أو خارجها، إذ تتشابه التحولات الاجتماعية، والسياسية والدينية. في حارات دمشق العتيقة إذن، نتابع حكايات ناس يحاولون التغلب على الحاجة والفقر. كما نتعرّف إلى الشيخ عبد الجليل (يلعب دوره سلّوم حداد) صاحب الماضي السيئ الذي أضحى أحد شيوخ الطرق وله مريدوه داخل الحارة. يتحايل الشيخ على الناس، يقنعهم بالآية والحديث، في صورة لا تبتعد عن قواعد الواعظ الهارب من ماضيه، الذي يلجأ إلى الناس والتابعين خوفاً من هذا التاريخ. الواضح أن "جنزير" الذي تحول إلى الشيخ عبد الجليل سيبسط مع الوقت سيطرته على الحارة، رغم معارضيه، من الجيران، هؤلاء عرفوه لسنوات ما قبل "التوبة" ويدركون جيداً أنه "منافق" وارتدى لباس "المشيخة" من أجل مصالحه الخاصة التي يُغلبها ببعض الفتاوى، مُتخذاً من مقولة "الدين أفيون الشعوب" الحجة لتماديه.

في الحلقات الأولى، أظهر سلوم حداد مقدرة في تقمص شخصية الشيخ التقي الورع، رجل لا يخونه ذكاؤه في تنفيذ مصالحه تحت ستار وشعارات دينية، أمام مرآة أخرى تواجهه بعنف وتفضح خزعبلاته.

أدى عابد فهد دور جبران، الهارب من صفوف الحزب الحاكم (البعث) هو وسلاف عبد الحميد سالم الملقبة بـ"الرفيقة". تعتقل المخابرات جبران لعدم اعترافه بعودة "روز" إلى البلد، بعدما بلغها مرض شقيقها ووفاته وخوفها من المشاركة من جنازته لأسباب أمنية. مشاهدات واقعية من يوميات "أبو فاروق" (أيمن رضا) المتعلق بابنته الوحيدة، يفرقها عن زوجها ليلة الزفاف، طيبة "أبو فاروق" تغلب على كل من يريد النيل منه، كيف لا وهو يدرك ماضي وتاريخ أهل الحارة، خصوصاً الشيخ "جنزير" كما يحب أن يناديه ليذكره بماضيه، وشارك في حرب الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982 وعاد حاملاً "العزة" ليواجه هؤلاء المدعين من أترابه. 

لا لبس في القصة المُشوقة. تمر الأحداث بمنطق مُبرر، رغم القليل من البطء الذي يفرض نفسه على هذا النوع من المسلسلات بحكم الالتزام بـ30 حلقة، لكنه لا يخلو من عناصر الجذب، التي ستكشفها الحلقات تباعًا، تفضي عند المتابع، بإسقاط الرؤية على الواقع السوري اليوم. مرآة لا تخلو من مرثية واقع مرّ لكنها جيدة فنيًا، وتحمل الدراما السورية إلى مزيد من التقدم وإحراز نقاط إضافية في سباق هذا الموسم المحموم.

دلالات

تعليق: