"عمّان الدولي للكتاب": زوّار الأعوام الأخيرة

02 أكتوبر 2019
الصورة
من المعرض (تصوير: نادر داود)

تجتاز بمركبتك الخاصة أو بسيارة أجرة مسافة لا تتجاوز بضعة كيلومترات خارج العاصمة، لعدم توفّر شبكة مواصلات عامة من وإلى "معرض عمّان الدولي للكتاب"، الذي تتواصل دورته التاسعة عشرة حتى الخامس من الشهر المقبل، مستقطباً جمهوراً أكبر لم تعهده السنوات الماضية.

في ساعات المساء، لا سيما يومي العطلة الأسبوعية، ستجد صعوبة حتى تجد مكاناً لاصطفاف سيارتك بسبب كثرة الازدحام، وهي مسألة باتت تتطلّب التفكير بمكان أكثر اتساعاً وقدرة على استيعاب مزيد من الزوار بعد عدّة سنوات من انتقال المعرض من مركز المدينة إلى خارجها، والذي تزامن مع انتظام انعقاده وتطوير إدارته بعد أعوام من الإرباك والفوضى.

تطوّر انعكس في انتشار أكبر للدعاية في الطرقات وحملة الإعلانات عبر وسائط التواصل الاجتماعي، والتنسيق مع المدارس والجامعات والوزارات الحكومية وهو ما لم يكن موجوداً من قبل، وكذلك في إجراءات التنظيم بعد التوسعة التي تتجاوز ربع المساحة الأصلية، وتوفير أعداد من المتطوّعين للقيام بمهام إعلامية وتنظيمية نظراً لغياب أية هيئة مسؤولة عن التظاهرة تمتلك مقرّاً دائماً أو موظفين يؤدّون هذه المهمات.

مسألة تقود إلى خلل أساسي يتمثّل في عدم فصل المعرض عن "اتحاد الناشرين الأردنيين" في مؤسسة مستقلة إدارياً ومالياً، على خطى معظم المعارض العربية، حيث يُخشى أن التغيّرات الإيجابية التي تميّزت بها الدورات الأخيرة هي حصيلة جهد فردي للهيئة الإدارية في الاتحاد، وأنها قد تتبدّد في حال تبدّلها مستقبلاً.

إنشاء هذه المؤسسة ينهي السياسة القائمة التي تتعامل مع التظاهرة باعتبارها حدثاً موسمياً يقيمه الناشرون ونال دعماً محدوداً من وزارة الثقافة و"أمانة عمّان" والذي يكاد لا يغطي نفقات تنظيمه حتى مع إضافة العائد المتأتي من أجنحة عرض الكتاب، بينما يفترض وجود ميزانية ثابتة واستراتيجية للتطوير وإدارة حديثة.

ربما لا تسمح ذائقة المنظّمين التقليدية بتصميم برنامج ثقافي يتضمّن فعاليات نوعية واستضافة أسماء ذات تجارب بارزة في الأدب والفن عربياً وعالمياً، لكن العائق الرئيس أمام ذلك يكمن في شحّ الإيرادات والاكتفاء بدعوات غير مكلفة تكون غالباً من العراق أو فلسطين، أو الاعتماد على اتفاقيات وزارة الثقافة مع وزارات ثقافية عربية تتيح بعض الاستضافات ضمن برامج التبادل الثقافي.

في سياق التبادل، حلّت تونس ضيف شرف الدورة الحالية بجناح يضمّ العديد من العناوين اللافتة خاصة في التراث والفلسفة والفكر والتاريخ والمؤلّفات المترجمة ضمن هذه المعارف وغيرها، لكن الملاحظة التي أشار إليها العديد من زوار المعرض ودوّنها بعضهم على صفحاتهم في فيسبوك بأن الكتب في الجناح التونسي تباع بثلاثة وأربعة أضعاف ثمنها في تونس وما هو مثبت على أغلفتها، ويصل سعر المجلّد الواحد إلى ما بين 30 و70 دولاراً.

يظلّ ارتفاع ثمن الكتاب المشكلة الأبرز التي تواجه معرض عمّان، رغم أن هناك توافقاً بين إدارته والعارضين حول حسومات تقارب 30% إلا أن العديد منهم لا يلتزم بها، معللاً ذلك بعدم تخصيص المؤسسات والجامعات الأردنية ميزانيات لاقتناء مجموعة محدّدة من الإصدارات من الناشرين المشاركين تغطّي نفقاتهم أو جزءاً منها، مثل معارض عديدة في العالم العربي.

شكوى لا تخصّ الأردن لوحده حيث يتشارك معه بنسب متفاوتة من بلدان عربية تفتقر لصناعة نشر متقدّمة تستفيد من وجود 350 مليون قارئ محتمل؛ وهو عدد المتحدثين بلغة الضاد، لتخفيض التكاليف من خلال تأسيس مظلّة تمتلك خططاً مشتركة في اختيار العناوين وطباعتها وتصميمها وصولاً إلى توزيعها.

عائق لا يحول دون اجتذاب الطلبة الذين يشكّلون النسبة الأكبر من الفئات العمرية التي ترتاد المعرض، ولعلنا نلاحظ اليوم أن غالبيتهم من الإناث، وضمن هذه الفئة يمكن أن نسجّل ما يستهوي هؤلاء من حقول محدّدة تأتي في مقدّمتها الرواية المترجمة من اللغات الأوروبية، ثم الرواية العربية مع إقبال واضح نحو أعمال الرعب والديستوبيا في السنوات الأخيرة، أو تلك التي تتناول أحداثاً من التاريخ المعاصر، لتحلّ بقية الأجناس الأدبية من قصة وشعر ومذكرات وغيرها، ومجمل الحقول المعرفية الأخرى في ذيل اهتمامات هذه الفئة من القرّاء.

يحضر أيضاً الصغار واليافعون برفقة أوليائهم، أو ضمن رحلات يجري التنسيق لها مع المدارس الحكومية والخاصة فينتشرون في أنحاء المكان، وهم في الغالب يأتون بغرض اقتناء الكتاب لا التفرّج عليه فقط، كما يفعل الكبار، ما يستدعي رصداً لدور النشر المتخصّصة بإصدارات الطفل واليافعين، حيث يعرض قسم كبير منها محتوى يتسم بالرداءة والضعف - شكلاً ومضموناً - بأسعار زهيدة تجتذب إليها الكثير من العائلات، مقابل محتوى أفضل يباع بأضعاف مضاعفة ومعظمه صادر باللغة الإنكليزية.

مشهد يحيل إلى "المكتبجيين" الذين يكرّسون للعام الثالث على التوالي حضورهم المختلف، بدءاً من اسمهم الذي اختاروه منذ انطلقوا كمبادرة من طلّاب جامعيين في مدينة إربد (شمالي العاصمة) اجتمعوا على القراءة ومن أجلها، لينشئوا شبكة تضمّ الآلاف يتبادلون الآراء والمراجعات والنصائح حول الكتب، ويقيّمون فعالياتهم المنتظمة حول الشعر والترجمة والتمايز بين مستوى المترجمين، وسير الكتّاب وقراءات في تجاربهم وحول ظواهر ثقافية ومفاهيم نقدية وفلسفية، قبل أن يعلنوا عن أنفسهم بشكل رسمي عام 2017، بهدف "صناعة القارئ المثقف" بحسب تعريفهم لمبادرة "مكتبجي".

وضمن مساهماتهم في معرض الكتاب، ها هم ينظّمون رحلات تمكّن مئات القرّاء من معظم المدن الأردنية من الالتحاق بفضاء المعرض، وداخله ينظّمون جلسات يجري خلالها تقديم كتّاب أو إعداد مداخلات لهم حول القراءة، ويوجهون أعضاءهم نحو قائمة من العناوين المختارة بعد نقاش حولها، إلى جانب تفاعلهم مع الناشرين المستند إلى تجاربهم في القراءة.