"على مقهى الوجودية": فلاسفة وشعراء وروائيون في طاولة واحدة

03 أكتوبر 2019
الصورة
دي بوفوار سارتر في مقهى باريسي (Getty)

هل انتهت الوجودية؟ سؤال مدخل لقصة كتاب "على مقهى الوجودية: الحرية والوجود وكوكتيلات المشمش" لمؤلفته البريطانية سارة بكويل الذي أصبح أحد أكثر الكتب مبيعاً لدى صدوره عام 2016 قبل أن يترجم إلى لغات مختلفة كالكورية والصربية والتركية وأخيراً نقله المترجم المصري حسام نايل إلى العربية وصدر مؤخراً عن "دار التنوير".

يجلس ثلاثة على طاولة؛ سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر وريمون آرون، يشربون الكوكتيل فيشير سارتر إلى كأسه ويقول "مع الفينومينولوجيا يمكن صنع الفلسفة من هذا الكوكتيل!" (كان سارتر وقتها عائداً من برلين ومفتوناً بهوسرل). يتصاعد الحوار مثل فقاعات في كأس ويتحوّل إلى لحظة من الوحي تلهم سارتر فلسفته الاستثنائية لحياة حقيقية مجربة؛ فلسفة الحب والرغبة والحرية والوجود والمقاهي والصداقات والمنافسات والثورات السياسية. ستصبح هذه الأفكار بعد سنوات حديث باريس قبل أن تنتشر وتترك بصماتها على حركات عدة من انتفاضات الطلاب عام 1968 إلى رواد الحقوق المدنية.

في الكتاب استكشاف للوجودية كقصة لقاءات بين الأفكار والناس، فمن سارتر وبوفوار تنتقل الكاتبة إلى دائرة أوسع من أصدقائهم وأتباعهم وخصومهم، قبل أن تنطلق إلى الوجودية في ألمانيا وبريطانيا فتدرس مارتين هايدغر وموريس ميرلوبونتي وإيريس مردوخ وغيرهم، حيث يمكن اعتبار الكتاب سيرة لهذه الفلسفة التي تناولت أسئلة تتعلق بما نحن عليه وكيف نعيش، دون أن يعني ذلك دخول الكتابة في متاهات من التفسيرات الفلسفية المعقدة، فكان العمل متعدد الحالات، فتارة نجده على درجة كبيرة من العمق، بينما ينحو في مواضع أخرى إلى الخفة والطرافة، وكأن المؤلفة كانت حريصة على أن تجعل من رحلة قارئ كتابها مرحة دون أن تجعلها سطحية أيضاً، وربما لذلك جرى استقبال العمل على هذا النحو الإيجابي منذ طبعته الأولى.

تقدم صاحبة "كيف تعيش: حياة مونتان" تصوّراً واضحاً حول التأثير الثقافي للوجودية على الكتّاب الإنكليز والأميركان، وتعود إلى مقال كتبه الأميركي نورمان ميلر عام 1957، بعنوان "الزنجي الأبيض"، وفيه يتحدث عما يسميه "الهبستر" أو الوجودي الأميركي.

تقدم الكاتبة أيضاً تجربة كولن ولسن الذي كثيراً ما وصف بأنه ألبير كامو الإنكليزي، وتقف عند كتابه "اللامنتمي" الذي ألفه وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ليقدم من خلاله إلى جيل من القراء البريطانيين الشباب الأفكار الفرنسية والألمانية.

ورغم محاولة الكاتبة أن توسّع الموضوع بالقصص والحكايات والمراجع لكن المستغرب أن القارئ لن يعرف الكثير عن فلسفة غابرييل مارسيل الذي لعبت دوراً بارزاً في تشكّل الوجودية في فرنسا، ولن تأتي على ذكر جاك ماريتان ولا إيمانويل مونييه الذي وضع أحد أهم الكتب في الوجودية وهو "الفلسفات الوجودية"، كما أنها لن تتوقف في كتابها عند الوجودية الروسية ممثلة في برديائيف وشيستوف وقد سبقا سارتر وفق مصادر فلسفية مختلفة، كما لم تعرج المؤلفة على الوجودية الإسبانية ممثلة في ميغيل دي أونامونو.