"طيف" إسرائيل يربك زيارة بومبيو إلى المغرب

"طيف" إسرائيل يربك زيارة بومبيو إلى المغرب

07 ديسمبر 2019
الصورة
اكتفى بومبيو بلقاء مسؤولين حكوميين (Getty)
+ الخط -
خرجت زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى المغرب، أمس الأول الخميس، عن المتوقع، إذ اكتفى الوزير الأميركي بلقاء مسؤولين حكوميين وغادر الرباط من دون أن يلتقي الملك محمد السادس، علماً أن جدول أعمال الزيارة الأولى كان يتضمن استقباله من قِبل الملك داخل القصر الملكي. وتزامنت هذه الزيارة مع حدوث تطورات متسارعة في الداخل الأميركي، تمثّلت في قرار المضي في إجراءات مساءلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتي يحتمل أن تؤدي إلى عزله.

لكن مصادر خاصة قالت لـ"العربي الجديد"، إن الارتباك الذي شهدته زيارة بومبيو إلى الرباط، واقتصارها على لقاءات سريعة مع مسؤولين حكوميين ومغادرته المملكة بعد ساعات من وصوله إليها من دون أن يستقبله الملك محمد السادس، يرتبط بما وصفه أحد هذه المصادر بـ"التشويش" الذي أحاط الزيارة من قِبل إسرائيل والأطراف المؤيدة لها في واشنطن، والتي استبقت وصول بومبيو إلى الرباط بنشر أنباء تربط الزيارة بأجندة ترمي إلى حمل المغرب، ضمن دول عربية أخرى، على تطبيع علاقاته بإسرائيل.



قمة هذا "التشويش" الإسرائيلي تجسّدت في انتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الأربعاء الماضي، إلى العاصمة البرتغالية لشبونة، حيث كان بومبيو في زيارة عمل، ليجتمع به هناك، وتنطلق آلة الدعاية الإعلامية الإسرائيلية في الترويج لفكرة حمل المغرب على القيام بخطوة دبلوماسية لتطبيع علاقاته بالدولة العبرية.
وقالت صحف إسرائيلية إنه وبعد لقاء نتنياهو وبومبيو في البرتغال، باتت الآمال كبيرة في شروع دول عربية، ومنها المغرب، في تطبيع علاقاتها مع تل أبيب. وكشفت مصادر "العربي الجديد" أن هذا الضغط الإسرائيلي كان يرمي إلى إقناع بومبيو بالحصول على موافقة مغربية على إحياء فكرة شبيهة بـ"مكتب الاتصال الإسرائيلي" الذي كان المغرب يعتمده في عاصمته في النصف الثاني من التسعينيات، وأصدرت المملكة قراراً بإغلاقه عاماً واحداً بعد وصول الملك محمد السادس إلى الحكم، أي في أكتوبر/ تشرين الأول 2000، وذلك مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية وإقدام الجيش الإسرائيلي على قتل مئات الفلسطينيين. وكان المغرب قد تبادل مع إسرائيل فتح مكتبين للاتصال معتمدين لدى بعضهما البعض، بدءاً من العام 1996، في سياق المساهمة المغربية في عملية السلام التي كانت تشهد تقدماً بناء على اتفاقية أوسلو التي وقّعت عام 1993 بين الفلسطينيين وإسرائيل.

تطورات قالت مصادر دبلوماسية لـ"العربي الجديد"، إنها تمثل إخلالاً بروتوكولياً بالنسبة للمغرب، إذ جعلت الدعاية الإعلامية الداعمة للتطبيع زيارة بومبيو تبدو كأنها مخصصة حصرياً لتحقيق اختراق في جبهة التطبيع بين المملكة وإسرائيل. فمباشرة بعد إعلان بومبيو عن عزمه على زيارة المغرب قبل نحو أسبوع، صدرت تصريحات عن مصادر مجهولة داخل الإدارة الأميركية، تقول إن أجندة الزيارة تتضمن بشكل خاص انتزاع خطوة تطبيعية من قِبل الرباط، وهو ما جاء لقاء نتنياهو مع بومبيو عشية وصول الأخير إلى المغرب، ليؤكده.

أنباء أشعلت فتيل الغضب الشعبي في المغرب، فسارع المرصد المغربي لمناهضة التطبيع قبيل ساعات قليلة من وصول بومبيو، إلى إصدار بيان شديد اللهجة، حذّر فيه من إقحام المغرب في أي مبادرة سياسية لفرض التطبيع مع إسرائيل. المرصد، وهو هيئة حقوقية مدنية مختصة في مراقبة ومناهضة مظاهر التطبيع مع إسرائيل، قال إن "الكيان الصهيوني كيان إرهابي مغتصب للأرض وقاتل للآلاف من البشر ومرتكب للمئات من الجرائم ضد الإنسانية والمحتجز للآلاف من المختطفين ومجهولي المصير عبر تاريخه". وفي إشارة مباشرة إلى واشنطن، قال المرصد إن الكيان الصهيوني كيان عدو "مهما حاولت أميركا تجميله وتقديمه على طاولة الابتزاز بقضايا المغرب الحيوية (الوحدة الترابية أساساً) مقابل التطبيع والخيانة والعمالة للأجندة الصهيوأميركية".

ارتباك أجندة الزيارة برز في اليومين الأخيرين قبل موعدها، إذ تغيّر البرنامج الرسمي للزيارة مرات عديدة، إلا أن النسخة الرسمية الأخيرة التي نشرها موقع الخارجية الأميركية، صباح الخميس، تضمّنت انطلاق الزيارة باستقبال الملك محمد السادس لبومبيو، وإنهاءها بحفل عشاء رسمي تقرر أن تقيمه الأسرة الملكية على شرف الضيف الأميركي. وبعد وصول بومبيو، فوجئ المراقبون بشروعه في لقاءات مع مسؤولين حكوميين، ليتم الإعلان عن إلغاء الندوة الصحافية المشتركة التي كان يفترض أن يعقدها مع نظيره المغربي ناصر بوريطة، كما ألغي الاستقبال والعشاء الملكيان.

الأستاذ الجامعي المغربي المختص في ملف الصحراء، محمد الزهراوي، علّق على هذه التطورات بالقول إن "ثمة رسائل مشفرة وألغازاً رافقت الزيارة الخاطفة التي قام بها بومبيو، لا سيما أنه غادر المملكة من دون استقباله من قِبل الملك محمد السادس كما كان مبرمجاً من قبل". وأضاف الزهراوي في تعليق نشره عبر حسابه الشخصي في "فيسبوك"، أنه وعلى الرغم من سياق الزيارة المتسم بحدوث تقارب كبير بين البلدين، لكن "ثمة ما يؤكد أن أجندة الطرفين بدت متباعدة وغير متجانسة إزاء العديد من الملفات، خاصة الملفين الفلسطيني والليبي". وذهب إلى أن الموقف المغربي "لم يكن ليكون أكثر حدة وبهذه الرمزية القوية التي جسدها عدم استقبال الملك لبومبيو لو لم تكن طبيعة الملفات التي حملها في حقيبته تدفع في هذا الاتجاه بسبب تباعد الرؤى وتناقض المواقف، لا سيما أن بومبيو التقى نتنياهو في البرتغال قبل مجيئه إلى المغرب".

واستخلص الزهراوي ملاحظتين أساسيتين، أولاهما أن الملك من خلال عدم استقبال بومبيو، "يوجّه رسالة مباشرة إلى إدارة ترامب، مفادها أن المملكة ترفض الانخراط في أي تسوية تكون على حساب القضية الفلسطينية، وأن قضية الصحراء لا ولن تكون ورقة مساومة أو تفاوض". أما الملاحظة الثانية، برأي الزهراوي، فهي لقاء عبد اللطيف الحموشي بوزير الخارجية الأميركي، "باعتباره الوصي على جهاز الاستخبارات الداخلية بدل ياسين المنصوري (مخابرات خارجية) الوصي والمكلف بأمن المملكة في الخارج، يؤشر إلى أن المملكة ترغب في الحفاظ على التنسيق الأمني مع أميركا وفق مستويات معينة على الرغم من الاختلاف في بعض الملفات ذات الطبيعة الجيوسياسية".

المساهمون