"طفح الكيل" في العراق: تظاهرات تتسع وتكسر "الخطوط الحمر"

02 اغسطس 2015
الصورة
آلاف العراقيين شاركوا في التظاهرات (الأناضول)
+ الخط -
كان الوضع العراقي في مدن جنوب ووسط العراق  محتقناً إلى حد كبير، ولم يكن بحاجة لكي يشتعل، إلى أكثر من دعوة واحدة وجّهها ناشطون عراقيون على صفحات التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، الأربعاء الماضي، للتظاهر ضد عمل وزارة الكهرباء وانهيار منظومة الطاقة الكهربائية في البلاد والتي تسببت بمشاكل أخرى مثل انقطاع الماء والاتصالات وتسجيل حالات وفاة في المستشفيات مع ارتفاع بدرجات الحرارة وصل إلى 55 درجة خلال الأيام الماضية.

إلا أن تلك الدعوة تطوّرت سريعاً، لتتحوّل إلى تظاهرات ضد الفساد والبطالة وارتفاع نسبة الفقر وانتشار الأمراض والأمية والجريمة المنظمة وفوضى الأمن في بغداد والجنوب وثراء المسؤولين العراقيين، وكلها اجتمعت تحت شعار "كفى طفح الكيل".

وشارك في التظاهرات عشرات الآلاف من العراقيين غالبيتهم من أنصار التيار المدني المستقل ومنظمات وناشطين في المجتمع المدني العراقي، فضلاً عن شخصيات شيوعية ووطنية ومشاركة خجولة من تيارات دينية مختلفة. وتركزت في بغداد، بساحة التحرير والبصرة والنجف وكربلاء وواسط وبابل وذي قار، وتفاوتت نسبة تفاعل الشارع معها بين مدينة وأخرى.

واستنفرت الحكومة العراقية قواتها النظامية، وحرصت على إبعاد المليشيات في تلك المدن عن مواقع التظاهرات التي لم تشهد أي احتكاك مع قوات الأمن، على الرغم من رفع شعارات تهاجم المسؤولين وحكومات ما بعد الاحتلال الأميركي، ومنها "يا شباب العراق لا تهاجروا، من للعراق غيركم سوى اللصوص"، وأخرى "باسم الدين سرقونا الحرامية"، و"كفى سننفجر يا دواعش السياسة". فيما رفع أهل البصرة يافطة عريضة عند مدخل مدينة الزبير، جنوب المحافظة، كُتب عليها "قادتنا الحرامية من حارات طهران القديمة إلى قصور بغداد البهية".

وأغلقت قوات الأمن المنطقة الخضراء، ووضعت حواجز إسمنتية وأسلاكاً شائكة حولها ومنعت الاقتراب منها، وهو ما زاد من غضب المتظاهرين الذي وصفوا المنطقة الخضراء ببؤرة الفساد. وقررت حكومة حيدر العبادي تعطيل الدوام الرسمي في البلاد منذ مساء الأربعاء ولغاية الأحد، معلّلة ذلك بارتفاع درجات الحرارة في البلاد، إلا أن مراقبين اعتبروا القرار محاولة لضبط الشارع العراقي في بغداد والجنوب وامتصاص غضبه.

واستغل تنظيم "داعش" الوضع مستهدفاً أحد أهم خطوط نقل الطاقة الكهربائية إلى بغداد من إيران، إذ يستورد العراق نحو ألف ميغاوات من إيران بأسعار مخفضة لتعويض النقص. ووقع الهجوم في محافظة ديالى، ما أدى إلى خروج الخط عن الخدمة مؤقتاً، وهو ما زاد من معاناة الأهالي الذين اتجهوا إلى نهر دجلة لنقل الماء لمنازلهم أو للتخلص من الحرارة المرتفعة.

اقرأ أيضاً: المالكي يحشد في البصرة للانتقام من العبادي

وصدر عن الحكومة بيان يتيم، مساء الجمعة عقب التظاهرات، ذكرت فيه أن العبادي عقد اجتماعاً طارئاً مع طاقمه الوزاري لمناقشة مشاكل الكهرباء والخدمات. وأوضح البيان أن العبادي دعا الوزراء إلى النزول للميدان والاطلاع على مشاكل المواطنين ومشاركتهم همومهم. ووعد العبادي بحسب البيان، بـ"مكافحة الفساد"، مؤكداً "حق المواطنين في التعبير عن آرائهم مع ضرورة احترام النظام العام والتعبير عن آرائهم بصورة حضارية"، مطالباً قوات الأمن بمهنية التعامل مع المواطنين وحفظ كرامتهم.

وأعلنت مرجعيات دينية مختلفة في النجف وكربلاء دعمها لتلك التظاهرات، كان أبرزها المرجع الأعلى علي السيستاني الذي أيّد التظاهر ضد الفساد وتردّي الخدمات. كما أكد زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر دعمه لتلك التظاهرات، معلناً في بيان أن "أي اعتداء على مواطن عراقي منادٍ بحقوقه بطريقة سلمية ولا سيما خلال التظاهرات، هو اعتداء علينا وعلى العراق أجمع، لأن موقفنا واضح هو أننا مع الشعوب المظلومة"، مشيراً إلى وجود "الكثير من الجهات الحزبية والحكومية تحاول تجيير التظاهرات العفوية الشعبية لصالحها"، وذلك في إشارة إلى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي سعى إلى استغلال تلك التظاهرات وإرسال ممثلين عنه لتقديم مياه الشرب لمشاركين فيها، إلا أن عدداً من الناشطين تمكنوا من طردهم من ساحات التظاهر.

وحول التظاهرات، قال أحد منظميها الناشطين في بغداد، أحمد عبد الرحمن، لـ"العربي الجديد"، إن "الحراك الشعبي سيستمر حتى الإطاحة برؤوس الفساد في البلاد"، مشيراً إلى أن "الناس انفجرت من السرقة والفساد، فالأميركيون سلّموا العراق لأشخاص غير أمناء وخرجوا وتركونا بهذا الحال"، مضيفاً: "نحن لا نتحدث عن حكومة العبادي بل كل حكومات ما بعد الاحتلال حتى اليوم". وأعلن أن "تأييد رجال الدين للتظاهرات لن يلقى صدى في الشارع، فهم يحاولون رفع مسؤوليتهم عن المسؤولين الذين باركوهم وقدّموهم إلى الشارع".

أما القيادي في الحزب الشيوعي العراقي سلام العبودي، فأكد أن "التظاهرات ستتحوّل إلى اعتصامات في حال لم نلقَ رد فعل شافٍ"، موضحاً أن "التظاهرات اليوم هي الأولى التي يمكن القول عنها شعبية وعفوية، ولكن هناك محاولات استغلال لها من قِبل خصوم العبادي السياسيين لن نسمح بها". وحول مطالب المتظاهرين، قال العبودي "كل شيء يجب أن يتغيّر، فأبناؤنا يقاتلون الإرهاب وداعش، فيما أبناء المسؤولين يتسكعون ويتمتعون من دماء الشعب".

من جهته، رأى المحلل السياسي العراقي إسماعيل الطائي، لـ"العربي الجديد"، أنه "من الخطأ القول إن التظاهرات سياسية أو لعبة يقف خلفها أحد ما في العراق، أو إن المتظاهرين لم يخرجوا على جرائم داعش وجرائم المليشيات وانتهاكات السجون لكنهم خرجوا على انعدام الخدمات والفساد"، معتبراً أن "كل ما ذُكر اجتمع لينفجر الشارع ويبدأ الحراك، فداعش والمليشيات والخدمات والفساد كلها عوامل أدت إلى ما نراه اليوم".

وتوقّع أن "ترتفع وتيرة التحركات في الأيام المقبلة في حال لم يتخذ العبادي خطوات لامتصاص غضب الشارع"، مرجّحاً أن "يضحي العبادي بعدد من وزرائه أو يتخذ خطوات سحب امتيازات ظلت ملازمة للشخصيات السياسية والدينية منذ 13 عاماً".

اقرأ أيضاً: المالكي يستبق محاكمته بالتظاهرات

المساهمون