"ضربة حظ" لأطفال العراق العمال

30 ابريل 2019
الصورة
خارج المدرسة (العربي الجديد)

بالإضافة إلى مغادرة المدرسة في سنّ مبكرة، فإنّ أطفالاً عراقيين كثيرين يعملون في أعمال خطرة. مع ذلك يحلمون بالعثور على "ثروة" ما في الركام الذي يكثر في البلاد.

عشرة آلاف دينار (نحو ثمانية دولارات أميركية) كلّ ما يجنيه محمد عباس (11 عاماً) من عمله الذي يستمر ما بين 8 و10 ساعات كلّ يوم، لكنّه يأمل أن يحصل على "ضربة الحظ" مثل التي وقعت لصديقه حسن، حين وجد ألف دولار داخل كيس ورقي، ولا ضير إن حصل على ضربة حظ أقل من تلك، كما حصل مع صديقه عمار، الذي وجد ساعة يد نسائية، باعها بـ"140 ألف دينار" (نحو 110 دولارات).

محمد وحسن وعمار، وهم في أعمار متقاربة، جزء من مجموعة كبيرة من الأطفال الذين دفعت بهم الظروف التي مرّ بها العراق للعمل في مهنة تعتبر من بين الأعمال الأكثر خطورة، ففضلاً عن تعرضهم لأمراض مختلفة، فهي تعرضهم للموت في أي لحظة.

في البلد الذي تنتشر الأسلحة والمتفجرات فيه، ويعتبر الشعب مسلحاً؛ إذ يندر أن تجد بيتاً يخلو من قطعة سلاح غير مرخصة، ومثلما يفقد الناس حاجياتهم وتذهب بلا قصد بطريقة أو أخرى إلى حاويات القمامة، فإنّ البنادق والقنابل قد يكون مصيرها تلك الحاويات. وأطفال مثل محمد ورفاقه، يعملون في جمع المخلفات، لا يعلمون ما يخبئه لهم القدر، فبينما هم يمنّون أنفسهم بـ"ضربة الحظ" التي يبحثون عنها، فقد يكون الموت، أو الإصابة، أقرب.



يذكر محمد لـ"العربي الجديد" أنّ في مناطق تقع على أطراف بغداد الشرقية تلقي السيارات الحوضية ورافعات السيارات بمخلفات بناء و"سكراب"؛ أي مخلفات سيارات وماكينات وآليات متهالكة. وهذا المكان يعتبر مصدر رزق لفئة من الناس الفقراء، أغلبهم من الأطفال الذين باتوا من جراء عملهم يعرفون النافع من هذا "السكراب". لكن يبقى عمل محمد ورفاقه أقل خطراً بكثير عن عمل أطفال تراوح أعمارهم بين 10 و 15 عاماً، يبحثون عن رزقهم في مدن مدمرة من جراء الحرب، وكانت تحت سيطرة تنظيم "داعش" قبل أقل من عامين. ففي مدينة الموصل (شمال) التي تحررت بشكل كامل في يوليو/ تموز 2017 يحاول أوس بشير (13 عاماً) أن يجمع ما يكفي من "السكراب" ليسدّ بثمنه حاجة أسرته المعيشية.

يقول أوس الذي يجيد القراءة والكتابة باللغة العربية على الرغم من تركه المدرسة وهو في الصف الثالث الابتدائي، لـ"العربي الجديد"، إنّ قدرته على القراءة تمكّنه من تمييز بعض أنواع مخلفات البناء والمعارك، وبذلك يفرض سعراً أغلى لأنواع معينة، فبعضها يفصح عن أهميتها بحسب ما هو مكتوب عليها. يتابع: "توفيت والدتي بعد تعرضها لأزمة قلبية بعد احتلال داعش للموصل بأيام قليلة، ووالدي من الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا يمكنه العمل. تركت المدرسة في سنّ صغيرة جداً، وهربنا إلى خارج الموصل وبقينا في مخيمات النزوح طوال فترة سيطرة التنظيم على مدينتنا".

كانت الموصل بداية انطلاق تنظيم "داعش" الذي احتلها في يونيو/ حزيران 2014، ليتمدد إلى مدن أخرى معلناً سيطرته على نحو ثلث مساحة البلاد في وقت قصير، وشهدت المدن التي وقعت تحت سيطرته عنفاً غير مسبوق؛ إذ فرض أحكاماً مشددة على السكان الذين نجح كثيرون منهم بالهرب للنجاة من سلطته.

عادت أسرة أوس بعد تحرير مدينتها من "داعش"، ولم يكن أمام هذا الولد الصغير غير البحث عن عمل، فهو الابن الأكبر في عائلة لا يستطيع الوالد فيها العمل، في حين هناك ثلاثة أبناء يصغرونه. وفقاً لأوس فإنّ "أسهل الأعمال كانت البحث في السكراب ومخلفات الحرب، فالمعادن ومواد البلاستيك مطلوبة من قبل أشخاص يجمعونها بكميات كبيرة ويبيعونها إلى المعامل، وفي أثناء البحث قد يحالف أحدنا الحظ فيعثر على ورقة نقدية ما، أو ربما أكثر، أو يصل الأمر إلى العثور على ذهب ومجوهرات فيصبح ثرياً. هذه أحلامنا بينما نبحث في السكراب".



لكنّ صورة إبراهيم الذي كان عائداً رفقة أسرته إلى منزلهم بعد نحو شهر من تحرير الموصل، ما زالت عالقة في مخيلة الأطفال الباحثين في السكراب ومخلفات المعارك، إذ لم يكن هذا الطفل الذي كان يصغر أوس بعامين يدرك أنّ الموت يترصده خلف لمعان معدن ظنه ذهباً، فحين هبّ مسرعاً يتسلق كومة من الأنقاض للوصول إلى المعدن اللامع انفجر تحت قدمه لغم حول جثته إلى أشلاء متناثرة.

من جهته، يقول مثنى داود: "من يريد العمل في مهنتنا عليه أن يتحمّل مخاطرها". يشير إلى أنّه تعرض لجروح ورضوض عديدة، نتيجة تسلقه بنايات مهدمة أو دخوله إليها. يبين لـ"العربي الجديد" أنّه كان أحياناً يسقط من هذه البنايات، أو تدخل شظايا الحديد والحجارة المكدسة في قدميه: "بعد فترة ليست قصيرة من العمل في هذه المهنة الخطرة، التي يصدف أن يعثر فيها أحدنا على جثة متفسخة لشخص مجهول، قد يكون من عناصر داعش، أو ربما هو جندي في الجيش العراقي، أو مدني من سكان الموصل، أصبحت لدينا خبرة، فنحن نصنف أنواع الحديد، وأنواع مختلف المعادن كالنحاس والألومنيوم والبلاتين وغيرها، بالإضافة إلى المواد المصنوعة من البلاستيك، ونذهب بها في آخر النهار إلى محلات خاصة بشراء السكراب والمخلفات، فيرجع كلّ منا إلى داره وهو يحمل في جيبه ما يسدّ حاجة أسرته وإن ليوم واحد فقط".




هؤلاء الصغار يعتبرون من ضحايا الحروب؛ فمكانهم الحقيقي المدرسة وليس العمل، لكنّ أعمال العنف والحروب زادت من أعداد الأطفال المتسربين من المدارس لتبلغ أرقاماً غير مسبوقة في بلد كان قبل عقود قد قضى على الأمّية وفرض التعليم الإلزامي على جميع أبنائه. وفي آخر إحصائية رسمية، أعلن الجهاز المركزي للإحصاء، أنّ عدد التلاميذ خارج المدارس الابتدائية بلغ 131.468 تلميذاً وتلميذة في العام الدراسي 2017 - 2018، نسبة الإناث منهم تبلغ 47.5 في المائة.

دلالات