"صحوات" أفغانستان: لمواجهة الصين أو لاستمرار الحرب؟

"صحوات" أفغانستان: لمواجهة الصين أو لاستمرار الحرب؟

05 اغسطس 2015
الصورة
رفضت الحكومة الأفغانية تشكيل المليشيات (الأناضول)
+ الخط -
مع انطلاق عملية السلام بين الحكومة الأفغانية وحركة "طالبان"، برزت فكرة تشكيل مليشيات خاصة لمواجهة الوضع الأمني المتدهور في الشمال الأفغاني، وذلك بعد انتقال ثقل الحرب من جنوب البلاد إلى شمالها. تثير الفكرة أسئلة عديدة، ومخاوف من تخطيط لتكرار تجربة "الصحوات" العراقية، وما حصل في أفغانستان إبان حكم محمد نجيب الله، في ثمانينيات القرن الماضي.

يزعم بعضهم أن نقل الحرب إلى الشمال، هو محاولة بأهداف عديدة: أولاً إحباط مشروع المصالحة بين "طالبان" والحكومة الأفغانية، وثمة من يتهم إيران وأمراء حرب محسوبين على الحكومة بالوقوف خلف هذا الهدف، لا سيما أن تشكيل المليشيات يتم بيد أمراء الحرب الذين تبقى مصالحهم مضمونة في استمرار دوامة الحرب، لا المصالحة. كما يرى آخرون أن الهدف الحقيقي لأصحاب نظرية إنشاء مليشيات حليفة للحكومة في الشمال، هو مواجهة المشاريع الصينية الاقتصادية التي تمتد إلى دول آسيا الوسطى عبر أفغانستان.

ولم يفاجئ إعلان بعض قيادات "جبهة الشمال" بتشكيل مليشيات خاصة حليفة للحكومة لمواجهة خطر "طالبان" وتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) الأفغان كثيراً، إذ إن المحاولات الحثيثة لتشكيل كيان عسكري خاص في الشمال مستمرة منذ فترة. لكن ما أثار الاستغراب هو أن القياديين المدافعين عن تشكيل المليشيات الحليفة للحكومة، يشغلون أهم المناصب في الحكومة، وهم: حاجي محقق نائب الرئيس التنفيذي عبد الله عبد الله، والجنرال عبد الرشيد دوستم، نائب الرئيس الأفغاني، ومحمد عطاء نور أحد أبرز قادة جبهة الشمال، وحاكم إقليم بلخ.

في المقابل، أعلنت الحكومة الأفغانية بكل وضوح، أن "التعامل مع أي قوة خارجة عن نطاق الدولة، سيكون مثل التعامل مع الجماعات المسلحة، ولن نسمح بوجود مثل تلك القوى". وتشير بيانات وزارتي الداخلية والدفاع الرافضة لفكرة تشكيل المليشيات الخاصة، إلى "وجود تصدّع داخل حكومة الوحدة الوطنية". كذلك تلفت تسريبات صحافية إلى أن "الرئيس أشرف غني أحمد زاي، أمهل نائبه دوستم أياماً للتراجع عن فكرة تشكيل المليشيات، وأن دوستم تراجع فعلاً عن قراره، لكنه يريد أن يبقى جزء من الجيش القبلي الموالي للحكومة الأفغانية في مواجهة طالبان". ومع تراجع دوستم، زعيم الأقلية الأوزبكية، عن فكرة تشكيل المليشيات، فقد يتمّ تأجيل الفكرة لفترة قصيرة. غير أن الجيش، والذي يعتزم دوستم تشكيله لمساندة الجيش الأفغاني، قد لا يختلف كثيراً عن فكرة تشكيل المليشيات، فتاريخ دوستم، أحد الجنرالات الموالين للقوات السوفييتية، حافل بتغيّر الولاءات. وكان دوستم قد ذكر في تصريحاته الأخيرة، أنه "بصدد إعداد جيش لمواجهة طالبان"، وأنه "سيُعلن قريباً عن بدء عمليات موسّعة ضد المسلحين في عدد من الأقاليم الشمالية". 

اقرأ أيضاً: "طالبان" تعترف بوفاة زعيمها وتبقي تخمينات الخلافة مفتوحة 

ويدرك الأفغان جيداً مواقف دوستم المتقلّبة، ومن أبرزها انقلابه على نجيب الله في الثمانينيات، والذي كان سبباً في سقوط حكومته المدعومة من قبل السوفييت. كذلك غيّر ولاءه مرات عدة أثناء الحرب الأهلية، بعد دخول "المجاهدين" إلى كابول. وكان حزبه "جنبش ملي"، أي "المقاومة الإسلامية"، أحد أهم أطراف الحرب الأهلية. وحتى بعد احتلال القوات الأميركية لأفغانستان، كانت لدوستم مواقف متقلبة، إلى أن تولى منصب نائب الرئيس الأفغاني. وبالنظر إلى هذه المواقف لا يُعتمد على دوستم ومليشياته، لأنها بقيت دائماً "دولة داخل دولة" بحسب ما يرى معارضوه.

وبدأت فكرة "تشكيل المليشيات" تتبلور، إثر وقوع حادث أمني أحدث هزة في الأروقة الحكومية، وتناولته وسائل الإعلام الأفغانية باهتمام وعناية، كما سيرت تظاهرات في العاصمة كابول وبعض مناطق الشمال للتنديد به. الحادث كان عبارة عن هجوم مسلّح على مراكز للجيش القبلي، من أبناء أقلية الهزارة (إحدى المذاهب الشيعية) في مديرية جلريز، إحدى مديريات إقليم وردك، ذات الأغلبية البشتونية، حيث قُتل 35 جندياً قبلياً في الهجوم. واتهم حزب "وحدت"، بزعامة حاجي محمد محقق نائب الرئيس التنفيذي، الجيش الأفغاني واستخبارات البلاد بـ"التغاضي عن الهجوم، وأنه وقع بالتنسيق مع مسؤولين أمنيين". وأضاف محقق أنه "تواصل مرات عدة مع الجيش والاستخبارات أثناء الهجوم على أبناء قومه، ولكنهم لم يستجيبوا له".

وبعد أن أرسل الرئيس الأفغاني وفداً إلى المنطقة لتقصّي الحقائق، اتّضح أن جنود الجيش القبلي كانوا يغتصبون النساء والأطفال، ويمارسون أنواعاً من الظلم على أبناء القبائل، ما أدى إلى قيام القبائل ضدهم وتصفيتهم جميعاً بدعم من "طالبان".

صمتت الحكومة بعد ذلك، غير أن محقق أعلن أنه "آن الأوان لتشكيل المليشيات دفاعاً عن أبناء قومه، المهددين من قبل الجماعات المسلحة". وأيّده في ذلك كل من عطاء نور والي إقليم بلخ والقيادي البارز في جبهة الشمال، ودوستم.

وكانت الأحداث الأمنية في الشمال قد تطوّرت قبل شهرين تقريباً، ما دفع وزير الداخلية الأفغاني الجنرال نور الحق علومي، إلى القول بعد زيارته المنطقة، إن "طالبان والجماعات المسلحة تعبث بأمن جنوب البلاد، غير أن أصدقاءنا يعبثون بأمن الشمال لأغراضهم الشخصية". في إشارة واضحة إلى قيادات الشمال وأمراء الحرب.

وأثارت التصريحات ضجة في أوساط قيادات "جبهة الشمال"، غير أن ارتفاع أصوات من داخل الجبهة مؤيدة كلام علومي أضعف موقف الجبهة. وكشف القيادي البارز في جبهة الشمال، حاكم إقلم بروان عبد البصير سالنكي، أن "بعض أمراء الحرب في الشمال يوزعون الأسلحة على الناس بهدف إرباك الوضع أكثر". وذكر من بينهم محمد عطاء نور. بينما أفاد أحد مسؤولي الأمن في الشمال هوما موزاي أن "80 في المائة من سكان بعض مناطق الشمال تم تسليحهم مجدداً، وهم يشكلون الآن خطراً لأمن المنطقة".

ويعتقد مراقبون أن "الهدف من وراء تسليح السكان والعبث بالأمن هو إيجاد مبرر لتشكيل المليشيات، بالإضافة إلى الاحتفاظ بالقوة العسكرية بعد أن بدأت الحكومة الأفغانية بنزع الأسلحة من كل أمراء الحرب، ووضعت خططاً للقضاء على جميع الجيوش القبلية، وتقوية قوات الأمن بدلاً منها". ولا تُرضي الخطوة أمراء الحرب ومن يدعمهم من دول المنطقة، والتي استثمرت مبالغ ضخمة عليهم، على مدى الأعوام، للدفاع عن مصالحها.

في غضون ذلك، شنّت قوات الأمن الأفغانية الخاصة مع القوات الدولية عملية نوعية في الشمال، دمّرت من خلالها كمية كبيرة من الأسلحة والمتفجرات كانت بحوزة مسلحين تابعين لـ"جبهة الشمال". وأدت العملية إلى إثارة حفيظة قيادات الجبهة، وعلى رأسهم الرئيس التنفيذي عبد الله عبد الله وعطاء نور، معتبرين الأمر "إساءة للمجاهدين ومحاولة للقضاء على قوتهم". كذلك ذكرت مصادر من داخل الجبهة أن "الأسلحة المُدمّرة كانت روسية وإيرانية بمعظمها وتم استيرادها خلال الأشهر الماضية".

وتُجدر الملاحظة أن "عطاء نور يتلقى الدعم من بعض دول المنطقة، على رأسها إيران"، كما يرى الساسة والمسؤولون في الحكومة. وكانت له يد كبيرة في إفشال المرشح لوزارة الدفاع الأفغانية معصوم ستانكزاي في الحصول على الثقة من البرلمان. وتفيد مصادر حكومية "أنه وزّعت مئات آلاف الدولارات على نواب البرلمان بهذا الغرض".

هذا، وتوحي التطورات الميدانية بأن أولئك الذين يرفعون راية محاربة "طالبان" و"داعش"، من خلال تشكيل المليشيات تارة، وبتسليح عامة المواطنين تارة أخرى، هم الذين قاموا بإرباك الوضع وإضعاف قوة الأمن مقابل المسلحين. والدليل أنه في إقليم قندز عندما هاجم مئات المسلحين الشهر الماضي، عاصمة الإقليم، كانت الجيوش القبلية، والتي كانت تستولي عليها قيادات جبهة الشمال، قد أخلت السبيل لـ"طالبان"، وكاد أن يسقط الإقليم بأسره في يد المسلحين.

وفي إقليم بدخشان، سلّم مئات من جنود الجيش القبلي قاعدة عسكرية إلى المسلحين. وفي أعقاب كل حادث يتهم أصحاب فكرة المليشيات الحكومة بعدم القدرة على مواجة "طالبان"، وأن هناك حاجة ملحة لتشكيل المليشيات. ويبدو أن كل ما حصل في الشمال هدفه إضعاف الحكومة المركزية، وخلق مبرر لفكرة تشكيل المليشيات.

وثمة من يعتقد بأن أمن الشمال الأفغاني مستهدف لأكثر من هدف، منه تشكيل المليشيات، ومواجهة المشاريع الصينية التي قد تمتدّ إلى دول آسيا الوسطى، بالإضافة إلى أن نقل الحرب إلى الشمال قد يكون تمهيداً لنقلها إلى دول آسيا الوسطى. يعي معظم الأفغان جيداً ما حلّ ببلادهم نتيجة المليشيات الخاصة، لذا فهم لا يرحّبون بالفكرة أصلاً. حتى إنهم نظموا قبل أيام تظاهرة حاشدة، في إقليم تخار، أحد الأقاليم الشمالية، نددت بإعلان تشكيل المليشيات الخاصة، وطالبوا الحكومة بتقوية الجيش وقوى الأمن وعدم السماح بتشكيل أي كيان خارج عن نطاق المؤسسة العسكرية. كما أدان المتظاهرون قيام بعضهم بتسليح عامة المواطنين بذريعة مواجهة "طالبان" والجماعات المسلحة، معتبرين التسليح خطوة تُمهد للقيام ضد الحكومة.

ويرى الخبير الأمني عتيق الله، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "فكرة تشكيل المليشيات بمجملها محاولة لإحباط عملية السلام، إذ إن أولئك الذين يعتقدون أن مصالحهم مضمونة في استمرار الحرب، وأن الصلح سيقضي على مصالحهم الشخصية، هم الذين يعتزمون تشكيل المليشيات".

هذا، وقد عقد علماء وقبائل إقليم خوست جنوب البلاد اجتماعاً حاشداً في 28 يوليو/تموز الماضي، رفضوا من خلالها فكرة تشكيل المليشيات وأعلنوا دعمهم الكامل للمؤسسة العسكرية وعملية المصالحة مع "طالبان".

اقرأ أيضاً الملا منصور زعيم "طالبان" الجديد: البراغماتية قبل الدين

المساهمون