"شهر من دون تبغ" في فرنسا

"شهر من دون تبغ" في فرنسا

24 نوفمبر 2019
الصورة
غرامات أكبر على التدخين في الأماكن العامة (Getty)
+ الخط -

ساهمت حملة "شهر من دون تبغ" بطريقة أو بأخرى، ما بين 2016 و2018، بخفض التدخين في المجتمع الفرنسي بأربع نقاط يومياً، ما يعني إقلاع مليون و600 ألف شخص عنه. وهذا العام أتت بنسخة جديدة.

للعام الرابع على التوالي، تنظّم فرنسا حملتها "شهر من دون تبغ" في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الذي شارف على نهايته، وذلك في مبادرة لمكافحة التدخين والحدّ من استهلاك السجائر بين الفرنسيين. عبد الله الهبطي من هؤلاء الذين قرّروا تحدّي أنفسهم لمدّة شهر لعلّه يتمكّن من الإقلاع عن "العادة الضارة" التي تقتل 80 ألف شخص سنوياً، من بينهم خمسة آلاف مدخّن سلبي. وبهدف تحفيز المشاركين في الحملة الذين يقترب عددهم من 200 ألف شخص هذا العام، تفيد السلطات الصحية بأنّ التوقّف عن التدخين لمدّة شهر واحد (30 يوماً) يُضاعف خمس مرّات احتمالات الإقلاع نهائياً عن التدخين، كذلك هو كافٍ للتخلّص من الأعراض التي تصيب المدخّن عند انقطاعه عن استهلاك النيكوتين.

وبينما ينجح عدد من المدخّنين في الإقلاع عن استهلاك منتجات التبغ بمجرّد اتّخاذ قرار بذلك، فإنّ الأغلبية تجد نفسها في حاجة إلى وضع استراتيجية محدّدة بالتنسيق مع مهني صحي أو متخصص في مجال التدخين. وتأتي حملة "شهر من دون تبغ" فرصة للراغب في الإقلاع عن التدخين، بدلاً من المحاولة من خلال مبادرة فردية ومعزولة، خصوصاً أنّه قادر على الاستفادة مجاناً من مساعدة شاملة في السياق. والمساعدة تشمل كذلك متابعة من قبل الخبراء في الحملة ومرافقة للمدخّنين وتواصل دائم معهم. ولأنّ السلطات الفرنسية المعنيّة، أي وزارة الصحة والوكالة الوطنية للصحة العامة والضمان الاجتماعي، تبدو جادة في هذه الحملة وتأمل إقلاع المواطنين نهائياً عن العادة الضارة أو على الأقلّ خفض نسبة استهلاك إلى أدنى مستوى، ففي إمكان الراغبين في التوقف عن التدخين الاستفادة كذلك من نصائح متخصصين في هذا المجال عبر رقم الخط الساخن 3889، وعبر تطبيق إلكتروني على الهواتف الذكية، ومن خلال مجموعة على موقع "فيسبوك". ويمدّ القائمون على حملة "شهر من دون تبغ" التي استقطبت منذ عام 2016 نحو 581 ألف شخص مدخّن، المُقبلين الجدد بالنصائح اليومية وكل أشكال الدعم حتى لا يتعثّروا في الأيام الأولى ويتخلّوا عن التحدّي.




يقرّ عبد الله الهبطي الذي انضمّ إلى الحملة، لـ"العربي الجديد"، بأنّه "مدخّن منذ أربعين عاماً، وقد أتيت بمحاولات عدّة للإقلاع عن السجائر، نجحت في بعضها على مدى شهور. لكنّني هذه المرّة قرّرت المشاركة في هذه الحملة إرضاءً لعائلتي، خصوصاً حفيدَيّ. جميعهم يشجّعونني ويدعمونني للمضيّ قدماً". وذلك التشجيع والدعم ضروريان، "حتى لا يشعر المرء بأنّه يعاني" مثلما تقول المتخصصة في علاج الإدمان ماريون أدلر، مؤكّدةً أنّ "في الإمكان الإقدام على الإقلاع عن التدخين بسعادة ومتعة". كذلك، يُعِدّ الهبطي نفسه محظوظاً لأنّه لم يُصَب بأيّ مرض خطير يرتبط بعادته الضارة، خصوصاً أنّ السلطات الصحية تتحدّث عن دور التدخين في 90 في المائة من إصابات سرطان الرئة لدى الرجال، وما بين 70 و80 في المائة لدى النساء.

تجدر الإشارة إلى أنّ ثمّة مدخّنين يلجأون إلى الرياضة ظنّاً منهم أنّها تؤدّي إلى إقلاعهم عن التدخين، لكنّ دراسات علمية بيّنت أنّه لا يمكن الجزم بنجاعة ذلك. وفي السياق، أفادت دراسة حديثة نشرتها مؤسسة "كوكرين" للأبحاث العلمية الطبية بأنّ الرياضة وحدها غير كافية، وقد نصحت بتبنّي سلوكيات صحيّة أكثر أو مصاحبة أشخاص يتبنّون مثل تلك السلوكيات، إذ إنّ ذلك يُعَدّ ورقة رابحة في مكافحة التدخين. بالتالي، ينصح القائمون على "شهر من دون تبغ" كلّ من يشارك في الحملة أو "المغامرة" أن يكون من ضمن مجموعة من أمثاله الراغبين في الإقلاع عن التدخين، وهو ما يعني كذلك تجنّب مرافقة أصدقاء مدخّنين. وفي نهاية الشهر، يتعيّن استشارة متخصّص في معالجة الإدمان إذا سار كلّ شيء على ما يرام.

في سياق متّصل، تلجأ السلطات الفرنسية إلى قرارات زجرية بهدف ثني المدخّنين، خصوصاً من فئة الشباب واليافعين، عن مواصلة استهلاك التبغ. ولعلّ آخر الإجراءات، زيادة في أسعار السجائر ابتداءً من أوّل نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، فمن خلال ذلك "تضرب جيوب المدخّنين بقوّة"، وبالتالي يقلعون عن تلك الممارسة أو يخفّضون استهلاكهم للسجائر. كذلك، صار المدخّنون محاصرين أكثر في بقع معيّنة يُسمح لهم فيها بالتدخين، ورُفعت قيمة الغرامات في حال المخالفة.

لكنّ باعة السجائر الإلكترونية يحاولون اليوم الاستفادة من الفرصة، فيسوّقون لمنتجاتهم في خلال هذا الشهر. وثمّة كثيرون من الراغبين في الإقلاع عن التدخين في سياق حملة "شهر من دون تبغ"، يقبلون عليها بديلاً للسجائر التقليدية والنيكوتين، على الرغم من التحذيرات التي تشير إلى مضار مختلفة قد تؤدّي إلى الموت.




من جهة أخرى، تدرك الحكومة الفرنسية التي تعبّر عن حرصها على الصحة العامة والتي يُكلّفها الإدمان بمختلف أنواعه (من ضمنه التدخين) خسائر ضخمة، أنّها لا تستطيع إغضاب باعة السجائر بحملاتها المتعدّدة الخاصة بمنتجات التبغ، ولا سيّما أنّ هؤلاء الباعة هم الذين يؤمّنون خدمات مختلفة للمواطنين في البلدات الصغيرة وسط انسحاب تدريجي لمرافق عدّة من قبيل مراكز البريد ومراكز الضرائب وغيرها. لذلك سمحت لهم بجباية الضرائب إلى جانب بيع الطوابع الضريبية.