"شبّابة" غزة الحزينة

غزة
يامن سلمان
07 يوليو 2019
+ الخط -

في ساحة الجندي المجهول وسط مدينة غزة، لا يمكن للمارة إلا ملاحظة اللحن الحزين الصادر عن آلة الشبّابة. أمّا العازف فهو سليم البرديني، البالغ من العمر 52 عاماً، والذي يجلس غالباً بالقرب من الأشجار في المكان ويعبّر عمّا في داخله من حزن، من خلال نفخه. فتلك الآلة الموسيقية من آلات النفخ، وتحديداً من فصيلة الناي. ووجود البرديني لا يقتصر على تلك الساحة، إذ إنّه قد يكون بمحاذاة شاطئ البحر أو وسط شارع عمر المختار الشهير، غير أنّ عزفه يبقى نفسه مع ما يحمله من حزن. ويوضح الرجل الخمسيني أنّه بذلك ينقل ما يعيشه المواطنون في قطاع غزة، مع الإشارة إلى أنّه قد يعزف ألحاناً فرحة بطريقته الخاصة، في حال طلب أحدهم ذلك.

يقول البرديني، لـ"العربي الجديد": "عندما كنت في العاشرة من عمري، كان جارنا سمير السردي يعزف على الشبّابة. وكلّما عزف، اندمجت معه وجلست تحت شباك صالون منزله القديم في مخيّم النصيرات. وفي يوم، طلبت منه أن يعلّمني النفخ، وهذا ما صار. وفي حال أخطأت، كان يضربني على يدي. وبدأت أتمكّن من بعض الألحان وأدرّب نفسي". يضيف أنّه "في الثالثة عشرة، صرت أعزف على الشبّابة في المدرسة وبين زملائي. وراح مدرّسون يطلبون منّي العزف في مناسبات عائلية خاصة". يتابع البرديني: "كنت محبوباً بين التلاميذ، فأنا كنت مرحاً وكنت أحتفظ بالشبّابة دائماً في حقيبتي"، لافتاً إلى أنّه يملك "عدداً من آلات الشبّابة في منزلي، واحدة منها يتخطّى عمرها 35 عاماً، بالإضافة إلى ناي".

في أحد الأيام، بعد نحو 30 عاماً من تعلّمه العزف على الشبّابة، التقى البرديني جاره السابق الذي كان له الفضل في ذلك. هو رآه يعزف على شاطئ البحر، فشعر بالسعادة. يُذكر أنّ البرديني كسب شعبية كبيرة بين أهل غزة الذين يقصدون كورنيش بحر مدينة غزة وكذلك كورنيش بحر النصيرات الواقع وسط القطاع المحاصر، وقد عمد كثيرون منهم إلى تسجيل مقاطع فيديو له وهو يعزف، من دون أن ينتبه لهم.




والبرديني هو في الأساس رجل شرطة يتبع السلطة الفلسطينية في رام الله، لكنّه لم يعد يمارس عمله منذ الانقسام الفلسطيني، كما هي حال كثيرين من موظفي السلطة في غزة. ما زال يسكن في مخيم النصيرات، ومنذ أن توقّف عن العمل صار يتوجّه إلى شاطئ البحر صباح كل يوم فيما ترافقه همومه الكثيرة. فالبرديني كما كثيرين من موظفي غزة التابعين إلى السلطة الفلسطينية، لديهم قروض مصرفية. وهو كان قد لجأ إلى الاقتراض ليتمكّن من سداد تكاليف زفاف ابنه عبد الله (26 عاماً)، علماً أنّه لا يحصل على راتبه كاملاً في ظل الأزمة المالية التي تمرّ بها السلطة الفلسطينية. تجدر الإشارة إلى أنّ البرديني أب لأربعة أولاد، هم إلى جانب عبد الله، إسلام (30 عاماً) وشيماء (27 عاماً) ومحمود (24 عاماً).

اعتاد العزف في كلّ الأمكنة (محمد الحجار)

من جهة أخرى، يحفظ البرديني في قلبه قصة حب حزينة. عندما كان يبلغ من العمر 14 عاماً، أحبّ فتاة اسمها ريم، تقدّم لخطبتها وهو في العشرين من عمره. وفي يوم، كانا في نزهة على شاطئ البحر، راح هو يشوي اللحوم فيما توجّهت ريم إلى المياه للسباحة. وبعد نصف ساعة، افتقدها، فراح يبحث عنها. كانت تستغيث وسط البحر، فركض صوبها، لكنّه تأخّر، وتوفيت غرقاً. في وقت لاحق، تزوج من ابنة عمه، زوجته الحالية، لكنّه ما زال يحبّ ريم. ويشير إلى أنّ ألحانه الحزينة التي يعزفها عند شاطئ البحر إنّما هي موجّهة إلى ريم التي لم يخفِ قصتهما عن زوجته التي تقبلت الأمر، ولا عن أبنائه. ويقول: "أحببتها بصدق. أتخيلها دائمًا كلما أعزف أمام البحر. وأنا منذ 32 عاماً أعزف في المكان نفسه حيث غرقت ريم".




ويشير البرديني إلى أنّ "البحر هو حياتي. عندما أنظر إليه، أعرف فرحه وكذلك حزنه. من لا يفهم البحر، لا يدرك معنى الحياة. قصة حبّي لريم لا تختلف عمّا كتب في الروايات، وهي سبب ألحاني الحزينة. كذلك أنا أعبّر من خلال تلك الألحان عن واقعي وواقع الغزيين الذين فقدوا أبناءهم، وعن فقرهم، وهمومهم عموماً". لكنّ الشبّابة تُعَدّ كذلك "مصدر رزق جيّد" للبرديني، إذ إنّه يعزف تلبية لطلب بعض الناس، وفي بعض الاحتفالات لدى عائلات غزية كبيرة، علماً أنّه يجيد كذلك أداء المواويل. وقد استطاع البرديني تعليم ابنه محمود العزف على الشبّابة، لافتاً إلى أنّ أبناءه جميعاً يفتخرون بوالدهم الذي يعزف بإتقان ويذيع صيته بين الغزيين. لكنّه لا يخفي شعوره بأنّ "الحزن جزء مني، يرافقني في كل مكان. لكنّني في الوقت
نفسه، أعزف الفرح لمن يرغب به".


ذات صلة

الصورة
الحطاب رائد عبد العال- غزة (عبد الحكيم ابو رياش/العربي الجديد)

مجتمع

يتمسّك رائد عبد العال بمهنته حطّاباً، التي ورثها عن جدّه وأعمامه الذين عملوا فيها على مدار عقود طويلة، ويحاول الإبقاء على هذه المهنة حيّة، رغم التراجع الكبير الذي عرفته خلال السنوات الأخيرة، بسبب عوامل اقتصادية.
الصورة
نساء معنفات - غزة (عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)

مجتمع

أسيل وأمل وسهير، ثلاث فلسطينيات من غزّة تعرّضن لأنواع مختلفة من العنف الأسري في منازل آبائهنّ أو أزواجهنّ، فلجأن إلى مشاريع ومراكز الحماية الأسرية لطلب المساعدة والحماية، ليعدن بثقة أكبر إلى الحياة.
الصورة
مسرح الظل في غزة (عبد الحكيم أبو رياش)

منوعات وميديا

يجاور الشاب الفلسطيني بشار البلبيسي شقيقه براء خلال عرضٍ بتقنية "مسرح الظل" في مدينة غزة، إذ يحاولان، عبر ظلّيهما ومن خلف شاشة بيضاء، إرسال رسائل متعددة، حول واقع الشعب الفلسطيني وهمومه وأزماته وأمنياته.
الصورة
عروض الدمى والتعليم

منوعات وميديا

كسرت المعلمة الفلسطينية بنياس أبو حرب رتابة التعليم الإلكتروني التقليدي الذي يحصل عليه الطلبة الفلسطينيون، سواء في فلسطين أو خارجها خلال جائحة كورونا، عبر دمجه بعروض الدمى المعروفة باسم "الماريونيت".