"سوق للمرتزقة"... 100 شركة أجنبية أمنية خاصة في العراق

بابل
زيد سالم
23 مارس 2018
بعد مغادرة آخر شركة أمنية أميركية للعراق، نهاية عام 2009، وهي "بلاك ووتر" (سابقا)، المتهمة بقتل عشرات العراقيين في مشهد دموي وسط العاصمة بغداد، عادت عشرات الشركات الخاصة للظهور مجدداً في هذا البلد، بحججٍ كثيرة ومهمات مختلفة، أبرزها تأمين تجارة العراق مع دول الجوار، ونقل البضائع النفيسة بين المحافظات، وحماية المصارف والمؤسسات الحسّاسة، مستفزة بذلك مئات المتضررين منها في فترة ما بعد 2003، وسط ذهول وتبادل اتهامات بالخيانة وعدم الاكتراث، بين الأوساط الأمنية والسياسية العراقية.

ويبدو أن بغداد لا تزال مستمرة بالتعاقد مع شركات أمنية خاصة، تعمل على تأمين الطرق الرئيسية والسريعة الرابطة بين المحافظات العراقية من جهة، وبين المحافظات وعواصم بلدان مجاورة من جهة أخرى؛ كان آخرها تعاقد الحكومة العراقية مع شركة أمنية، في مايو/ أيار 2017، لضمان أمن ما يطلق عليها اسم "القناة الجافة"، التي تربطُ بغداد بالعاصمة الأردنية عمان، لإرجاع الحياة التجارية التي غُيّبت بعد احتلال تنظيم "داعش" لمناطق الأنبار، غربي البلاد.

يشار إلى أن البرلمان العراقي كان قد أقرّ في يناير/كانون الثاني الماضي، قانون "الشركات الأمنية الخاصة"، الذي تضمن منع مباشرة أي شركة "عراقية" نشاطها دون الحصول على إجازة عمل من وزارة الداخلية، فيما أجاز "عند الضرورات القصوى" منح الإجازة لفروع الشركات الأمنية الأجنبية، بموافقة مجلس الوزراء باقتراحٍ من وزير الداخلية.

وتشير مصادر من "التحالف الوطني" العراقي، إلى أن هذه الشركات عادت إلى العراق بغطاء الإستثمار مع الحكومة العراقية، إلا أنها لا تزال تضمر أهدافاً غير مُعلنة، تتشابه في حقيقتها مع سابقتها "بلاك ووتر"، لتصفية شخصيات عراقية وبثّ الخوف والرعب، بالإضافة إلى مساعدة بعض السياسيين المتعاونين مع السفارة الأميركية في بغداد، على ضمان نفوذٍ اقتصادي دائم.

وتقول هذه المصادر لـ"العربي الجديد"، إن "العراق لا يحتاج إلى أي شركة أمنية، حتى وإن كان وضع البلد الأمني غير مستقر، فالمؤسسة الأمنية العراقية تستطيع من خلال عديدها مسك زمام الأمور في مناطق بغداد، وحتى في المحافظات الساخنة، كذلك رعاية مصالح الشركات من خلال التنسيق الأمني مع الجهات العسكرية".

انتهاكات مستمرة

ويقول مروان حبيب، أحد العاملين سابقاً مع شركة أمنية مقرها مدينة البصرة، وتبدل اسمها بعد عام 2011 من إنكليزي إلى اسم عربي، إن "الشركة لم تكن تحترم القوانين العراقية المتعلقة بالسير مطلقاً، فقد كانت مثلاً تُدرِع سياراتها من الداخل بطريقة تجعلها تبدو من الخارج غير مدرعة، لكنها تحتوي على بطانة داخلية تمنع اختراق الرصاص لها، وهذا أمر لا توافق عليه السلطات العراقية، فضلاً عن عقودها الضبابية مع العناصر المحلية من العاملين فيها، فهي تتعامل مع المرتزقة الأجانب بطريقة جيدة، لكنها لا تحترم العراقيين لديها، لا سيما المترجمين".

ويشرح حبيب في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "انتهاكات كثيرة كانت تحدث خلال السنوات الماضية تتمثل بإهانة المواطنين والتجاوز على علامات المرور"، راوياً حادثة مقتل أحد المواطنين في الطريق الرابطة بين البصرة والناصرية. وفي هذا الشأن، يقول إنه "في عام 2008، كان رتل مكوّن من أربع سيارات نوع جي أم سي GMC، وتم قتل أحد المواطنين على يد عنصر أمني في الشركة، لأنه أراد اجتياز سيارات الرتل، حتى ظنّ عناصر الشركة بأنها سيارة ملغومة ستنفجر فيهم. وبعد قتله، اتضح أنه مواطن من محافظة البصرة، وسيارته خالية من أي أسلحة أو متفجرات".

ويشير حبيب إلى أن "كثيراً من المرتزقة كانوا يكسرون بنود عقودهم، ويعلنون استقالتهم ولا يكملون مدة الخدمة، بسبب المشاكل الإدارية، كذلك بسبب اختلاف الثقافات والتوجهات في ما بينهم، فضلاً عن المشاكل الشخصية التي لم تهدأ طيلة الفترة التي كنت أعمل فيها معهم، والتي استمرت خمس سنوات"، لافتاً إلى أن "الوضع الآن اختلف، فقد أصبحت الشركات أكثر تخصصاً ومراقبة بشكل مكثف من قبل الحكومة العراقية، لكن هذا لا يمنع وجود المخالفات والانتهاكات، لأن عناصر الشركات الأمنية يتغذون قُبيل مجيئهم إلى العراق، بأخلاقيات قائمة على تحقيق هدف الشركة، حتى وإن كان على حساب دم الأبرياء".

يشار إلى أن الكثير من المؤسسات والمنظمات الحكومية والأهلية في العراق بدأت تستعين بهؤلاء الحراس الأمنيين مؤخراً، بعدما ثبت ضعف الجهات الأمنية الرسمية، وعجزها عن توفير الحماية الكافية لها.


رفض برلماني وقبول حكومي

وكان رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، حاكم الزاملي، قد كشف في آب/أغسطس 2017، عن أن أغلب الشركات الأمنية العاملة في العراق، هي واجهات لوكالات استخبارية أجنبية، فيما أكد أن مالك شركة "بلاك ووتر" الأميركية (سابقاً) إيريك برنس، متهمٌ بتجنيد "مرتزقة" جدد.

ويقول الزاملي إن "أغلب عناصر الشركات الأمنية كانوا ضباطاً في CIA (وكالة الاستخبارات الأميركية)، وبعضهم ضباط في جهاز الموساد الإسرائيلي، والبنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية)"، مشيراً إلى أن "هذه الشركات نفذت الكثير من الخروقات الأمنية في البلاد".

ويلفت الزاملي إلى أن "مدير إحدى الشركات الأمنية التي تعمل في العراق، متهم بقضايا فساد، بالإضافة إلى تجنيد مرتزقة من أميركا الجنوبية للقتال في اليمن، فضلاً عن كونه ضابطاً سابقا في الجيش الأميركي ويمتلك معلومات استخبارية، وهذا موثق في ملف اللجنة في البرلمان".


من جهته، يتحدث البرلماني عن "التحالف الوطني" الحاكم في البلاد إسكندر وتوت، عن غياب الرقابة الحكومية على عمل الشركات الأمنية الخاصة في العراق.

ويؤكد وتوت في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "وزارة الداخلية لا تراقب عمل الشركات الأمنية التي تعبث في شوارع بغداد، والطرق الرئيسية بين المحافظات والمنافذ الحدودية"، مشدداً على أن "من المفترض أن تكون هناك متابعة دقيقة من قبل مديرية شؤون الشركات الأمنية الخاصة التي أقرّ تأسيسها البرلمان في وزارة الداخلية".

وأضاف وتوت أن "العراق حالياً لا يحتاج الى هذه الشركات، إذ لديه جيش متكامل وشرطة قوية، وخبرات عسكرية تتمثل بقادة عسكريين متقاعدين، بإمكانهم أن يصنعوا شركات أمنية عراقية، إذا لم تكن القوات الرسمية كافية لحماية بعض المؤسسات الحساسة".

100 شركة أجنبية

يؤكد ضابط مقرب من وزير الداخلية العراقية قاسم الأعرجي، أن "الشركات الأمنية الأجنبية العاملة حالياً في العراق بلغ عددها حوالي 100 شركة، وتعمل بصفة رسمية بعد حيازتها إجازة عمل من الوزارة"، مشيراً في حديثه لـ"العربي الجديد"، الى أن "الشركات المتواجدة لا تشبه بلاك ووتر، ومن يروج لهذا الأمر فهو واهم، فمهامها لا تتعدى حماية بعض المنشآت والمصارف الأهلية ونقل الشخصيات المهمة ومرافقة أرتال البضائع النفيسة وإسناد بعض الشخصيات الحكومية".

ويلفت الضابط العراقي إلى أن القانون فرض على الشركات عدم استخدام القنابل اليدوية، والإكتفاء بالأسلحة المتوسطة المحمولة، مثل "بي كي سي"، مع حظر استخدام الأسلحة المضادة للدروع، نافياً علمه بأرباح هذه الشركات، قائلاً "ليس من اختصاصنا معرفة أرباحها وكذلك لا يمكن تحديدها".

وكانت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية نشرت تقريراً، أشارت فيه إلى أن أكثر من 10 شركات أمنية إسرائيلية خاصّة وحكومية، كثفت في السنوات الأخيرة عملها في دول عربية وإسلامية عدة، من ضمنها العراق، وبعض هذه الدول لا تقيم مع "تل أبيب" علاقات رسمية، وتقوم هذه الشركات بتوفير حراسات خاصة لشخصيات سياسية ورجال أعمال وغيرهم فيها.

250 ألف دولار.. أرباح سنوية

لعله من الصعب معرفة الأرباح الشهرية أو السنوية للشركات الأمنية العاملة في العراق، ذلك لأنها تعتمد على "المواسم" والطلعات والمسافات التي تقطعها ومدى خطورتها، بحسب الخبير في الشأن الأمني هشام الهاشمي. ويقول الهاشمي لـ"العربي الجديد"، إن "غالبية الشركات تعتمد على المواسم، فخلال الانتخابات مثلاً ترتفع أجورها، لأن غالبية السياسيين يستعينون بخدماتها للتنقل وتأمين منازلهم وفنادقهم".

ويشرح الهاشمي كيف أن "التنقل داخل العاصمة بغداد له سعر، بينما للخروج منها سعر مختلف، كذلك الحال في عبور الجسور أو المشي على الطرقات العامة، فمن خلال هذه التفاصيل، يصبح من الصعب تحديد الأرباح التي تجنيها مثل هذه الشركات".

ويشير الهاشمي إلى أن "المبلغ الذي من المتوقع أن يكون ربحاً صافياً لهذه الشركات، يمكن تحديده لتلك التي تعمل في أماكن ثابتة كالمصارف، فالأرباح لا تقل عن ربع مليون دولار سنوياً لأصغرها"، معرباً عن اعتقاده بأن الحكومة العراقية "لا يمكنها الاستغناء عن الشركات الأمنية الأجنبية لأنها الأكفأ في حماية المؤسسات ونقل الأموال وإسناد بعض الشخصيات السياسية المهمة".

مليشيات إضافية

يرى الصحافي والحقوقي ربيع الأنصاري، أن الشركات الأمنية في بغداد "مستهترة"، فهي تستخدم أسلوب "المليشيات" ذاته، مبيناً أن قطع الطرق والاستيلاء على بعض الأرصفة وإشهار الأسلحة في وجه المواطنين "سلوكيات مرفوضة".

ويقول الأنصاري في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "ثمة احتلالا من نوع آخر تمثله هذه الشركات، فالعاصمة مثلاً تستغيث من سيطرة المليشيات المتنفذة في شوارع ومناطق بأكملها، وأسلوب الشركات الأمنية هو نفسه الذي تستخدمه المليشيات، فما أن تمر عجلات شركة ما، حتى يجفل الناس بسبب استخدامها الصفارات التحذيرية، فضلاً عن المعاملة السيئة للمواطنين بحجة استعجال السيارات لإتمام مهمة ما".

تعليق:

ذات صلة

الصورة
سياسة/كتائب حزب الله العراقية/(صباح عرار/فرانس برس)

سياسة

أكد مسؤول أمني عراقي، اليوم الثلاثاء، إجراء السلطات العراقية تغييرات جذرية على مستوى القادة وكبار الضباط على خلفية التدهور الأمني وتزايد حالات الاغتيال والخطف والجريمة المنظّمة، والتي كان آخرها مقتل الخبير الأمني هشام الهاشمي.
الصورة
يمتلك العراق أكثر من 22 منفذاً برياً حدودياً (Getty)

سياسة

تعتبر عملية استعادة الحكومة العراقية السيطرة على المنافذ البرية والبحرية من يد المليشيات أخطر ملف يواجه السلطة، إذ إن هذه المليشيات وقوى سياسية تستفيد من عشرات مليارات الدولارات التي تدرها عليها هذه المنافذ ولن تتخلى عنها بسهولة.
الصورة
العراق/حزب الله/فرانس برس

سياسة

كشف مسؤول عراقي بارز في بغداد لـ"العربي الجديد" عن ساعات ما قبل وما بعد عملية هجوم قوة عراقية خاصة على مقر مليشيا "كتائب حزب الله"، جنوبي بغداد،
الصورة
سياسة/كتائب حزب الله العراقية/(أحمد الربيع/فرانس برس)

أخبار

تمارس زعامات عراقية وقادة مليشيات ضغوطاً على الحكومة من أجل إطلاق سراح مجموعة "كتائب حزب الله" العراقية، الذين ألقي القبض عليهم في مقر للمليشيا ليل الخميس– الجمعة من قبل جهاز مكافحة الإرهاب، ووجدت في مقرهم ورشة لتصنيع الصواريخ ومنصات لإطلاقها.