"سوق" فتاوى في المغرب

"سوق" فتاوى في المغرب

05 يوليو 2017
الصورة
الفتوى أساسية في حياة المغاربة (جلال مرشدي/ الأناضول)
+ الخط -
بقدر ما يعرف مجال إصدار الفتاوى في المغرب انضباطاً وشروطاً صارمة، بالنظر إلى تواجد مؤسسة دينية رسمية تعنى بهذا الجانب، بقدر ما تنفلت فتاوى "خاصة" من علماء وفقهاء لا ينتمون إلى المؤسسات الرسمية. فتاوى كثيراً ما تثير الجدل والسجال في البلاد.

الفتوى في المغرب موكلة إلى مؤسسة دينية رسمية، هي الهيئة العلمية للإفتاء، وتنتسب إلى المجلس العلمي الأعلى الخاضع إدارياً وتنظيمياً إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. تصدر الفتاوى إما بطلب من رئيس المجلس العلمي الأعلى، وهو الملك بحسب الدستور، أو بطلب من طرف الأمين العام للمجلس.

يحيط بالفتاوى الرسمية الصادرة عن هيئة الإفتاء للمجلس العلمي الأعلى كثير من الصرامة والضوابط والشروط المعتمدة، فيتعين توجيه طلب إلى المجلس في فتوى عامة تهم شؤون الناس، وانتظار اجتماع علماء المؤسسة، والفصل في القضية، ما يأخذ في الغالب كثيراً من الوقت.

من أشهر الفتاوى الرسمية التي جرى تداولها والرد في شأنها، قبل سنوات، كانت فتوى تتعلق بالارتداد عن الإسلام والكفر به الذي "تترتب عليه أحكام شرعية خاصة، وتقتضي دعوة المرتد إلى الرجوع إلى دينه والثبات عليه، وإلا وجبت إقامة الحدّ عليه".
تلك الفتوى التي أصدرها المجلس قبل سنوات قليلة جرى "التراجع" عنها في فتوى رسمية جديدة نصت على أنّ "المقصود بقتل المرتد هو الخائن للجماعة، المفشي لأسرارها والمستقوي عليها بخصومها، أي ما يعادل الخيانة العظمى في القوانين الدولية". برر علماء المجلس العلمي الأعلى التراجع ذاك أنّ هناك شواهد في السيرة النبوية منها "صلح الحديبية" الذي كان من بنوده أنّ من أسلم ثم ارتد إلى قريش لا يطالب به المسلمون، وأنّ من التحق بالمسلمين من المشركين استردوه، وأيضاً الأعرابي الذي أسلم ثم طلب إقالته من شهادته، فلم يفعل الرسول معه شيئاً.

ومن أشهر الفتاوى الرسمية الإقرار أنّ "حق الطلاق يعود إلى الرجل فقط، والأئمة أجمعوا على التمسّك به سلفاً وخلفاً، إلا في حالات خاصة منصوص عليها في المؤلفات الفقهية ومدونة الأسرة المغربية". ومن الفتاوى الأخرى التي صدرت عن علماء المؤسسة الدينية الرسمية "إفطار الرياضي الذي يكون خارج البلاد في رمضان، لأنّه يعتبر مسافراً، فيجوز له الأخذ برخصة الإفطار أثناء السفر، وعليه أن يقضي ما أفطر فيه من الأيام بعد انتهاء رمضان".

كذلك، الإفتاء بـ"جواز الإنجاب بواسطة ترحيل سائل منوي يعود إلى رجل مغربي، والإتيان به من خارج الوطن، بغية جعله في رحم زوجته، وتلقيحه بويضتها بغية إنجاب الذرية".
تقنين الفتوى بواسطة مؤسسة دينية رسمية لم يمنع من ظهور فتاوى يصدرها علماء وفقهاء ودعاة معروفون، منها فتاوى أثارت ضجة كبيرة داخل وحتى خارج البلاد، إما بسبب طرافتها أو غرابتها. من أشهرها ما نسب إلى الشيخ محمد عبد الرحمن المغراوي، الذي تحدث عن زواج الفتاة التي لا تحيض لأنّ "بنات التاسعة لهن من القدرة على النكاح ما للكبيرات من بنات العشرينات فما فوق". هذه الفتوى أثارت قبل سنوات جدلاً كبيراً في البلاد، ما أدى إلى إغلاق مجموعة من دور القرآن التي تنضوي تحت لواء الجمعية الدعوية التي يرأسها المغراوي، قبل أن يتراجع هذا الأخير عن فتواه.



وهناك فتوى أخرى اشتهر بها الفقيه أحمد الريسوني، تتعلق بتحريم التسوق من المتاجر والأسواق التجارية الكبرى التي تبيع الخمور ضمن منتجات أخرى، وأيضاً تحريم شراء التمور الإسرائيلية.
ومن الفتاوى "المستقلة" ما ورد عن الشيخ الراحل، عبد الباري الزمزمي، حين أجاز دخول الحائض والجنب المسجد وقراءتهما القرآن، باعتبار الجنابة أو الحيض حدثاً عارضاً، لا يمكن أن يسلبا المرأة إيمانها.

يقول الخبير في الشأن الديني إدريس الكنبوري لـ"العربي الجديد" إنّه منذ إنشاء الهيئة العلمية المكلفة الإفتاء، لوحظ أنّ هناك تقنيناً لمجال الفتاوى في المغرب، فلم يعد رائجاً مثلما كان الأمر في السابق.
يستدل الكنبوري بالصحف التي تصدرها بعض الحركات الإسلامية أو الجمعيات الدينية ذات الطابع الثقافي، إذ كانت تخصص صفحات معينة للفتاوى، سواء لنشر فتاوى تلقى قضاياها اهتماماً عاماً، أو فتاوى تأتي رداً على أسئلة يتقدم بها القراء. ويلفت إلى أنّ "هذه الفتاوى تراجعت بشكل ملحوظ منذ بدء المغرب إعادة هيكلة المجال الديني في بداية الألفية الحالية، خصوصاً منذ إنشاء هيئة الإفتاء، لأنّ الهدف من هذه الهيئة هو توحيد الفتوى وحصرها في مؤسسة رسمية درءاً للفوضى في سوق الإفتاء".