"زنازين" في مدارس مصر

"زنازين" في مدارس مصر

26 فبراير 2016
الصورة
بعض التلاميذ لا يجدون كرسياً للجلوس (محمد حسام/ الأناضول)
+ الخط -
ليس مبالغاً القول إن تكدّس التلاميذ في الفصول المدرسية في مصر بات بمثابة ظاهرة خطيرة، وقد تحولت إلى "زنازين". ورصدت مبادرة أهلية تعنى بالصحة العامة إصابة بعض الأطفال بالأمراض نتيجة وجود عدد كبير من التلاميذ في مكان ضيق. ولم يكن مفاجئاً، في ظل الواقع الاقتصادي الصعب، أن تقف الحكومة مكتوفة اليدين. إلا أن "الطامة الكبرى"، بحسب أحد التربويين، تكمن في اكتشاف وزير التربية والتعليم الهلالي الشربيني هذه "الزنازين" لأول مرة، خلال زيارته إحدى مدارس المنصورة، وقد وجد 96 تلميذاً في كل صفوف المرحلة الابتدائية.

وينتقد مصدر مسؤول في وزارة التربية والتعليم تصريحات الوزير الذي أشاد بمستوى التلاميذ على الرغم من كثافة العدد في الفصل الواحد، مؤكداً لـ "العربي الجديد" أن العدد الكبير يضرّ بالعملية التعليمية، ويحول دون تمكّن الأساتذة من أداء أدوارهم كمربّين. من جهتهم، يجد التلاميذ صعوبة في استيعاب المعلومات.
يسأل المصدر: "على من يضحك الوزير؟ كيف لهذا العدد الكبير في الفصل الواحد، والذي لا يتسع لأكثر من 40 تلميذاً، أن يكون قادراً على الدراسة؟ إلا أن الوزير يشيد بمستوى التلاميذ على الرغم من هذا التكدّس الذي يفوق المائة في المائة داخل كل فصل".

يتابع المصدر أن حال مدارس المنصورة التي زارها وزير التربية والتعليم، هو حال عدد كبير من مدارس الجمهورية المكتظة بالتلاميذ في مختلف المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، وإن كان الأمر أكثر انتشاراً في المدارس الابتدائية. ويلفت إلى أن الوزارة تتحمّل مسؤولية إصابة التلاميذ بالأمراض، موضحاً أنه ليس هناك حد أقصى لقبول التلاميذ في المدارس الحكومية، ما يعني أن المدارس تقبل جميع التلاميذ، علماً أنها غير مجهزة لاستيعابهم. ويضيف أن "التكدّس يعدّ مشكلة وعلى الدولة العمل على حلها سريعاً".

إلى ذلك، يضطر بعض التلاميذ الذين يتأخرون في الوصول إلى المدرسة إلى الجلوس على الأرض، بسبب التكدّس والازدحام داخل الفصل، ما يدفع كثيرين إلى الوصول باكراً علّهم يفوزون بمقعد، ما يؤدي إلى وقوع مشاكل بين التلاميذ. ويعد هذا مشهداً يومياً يتكرّر في جميع المدارس.

تجدر الإشارة إلى أن التلاميذ من أصحاب "الحظوة"؛ أي الذين يأخذون دروساً خصوصية، صار لديهم مقاعدهم، علماً أن المدرسين يحجزون لهم مقاعد داخل الفصل. وليس مبالغاً القول إن المقعد بات حقاً قانونياً لكل تلميذ لديه "واسطة".
وفي جولة على عدد من مدراس القاهرة الكبرى، يؤكد تلاميذ أن الفصل الواحد قد يضم أكثر من مائة تلميذ. وفي ظل هذا الواقع، يفضّل بعض أولياء الأمور إبقاء أولادهم في البيت والتركيز على الدروس الخصوصية، وذلك بعلم المدرسين حتى لا يسجلوا في دفاتر الغياب. ويقول تلاميذ إنه في حال أراد أحد المسؤولين زيارة المدرسة، يطلب من البعض التغيّب من أجل تخفيض العدد. وعادة ما يختار المدرّس التلاميذ الضعفاء فقط للتأكيد أن مستوى التلاميذ جيد في حال طرح المسؤول عليهم أي أسئلة.

أيضاً، يؤكّد بعض التلاميذ أن الفصول المدرسية قد لا تتسع في حال حضور الجميع خلال اليوم الدراسي، الأمر الذي يضطرهم إلى الجلوس على الأرض، عدا عن كون الكراسي والطاولات غير مريحة للدراسة. أما في حال تقرّر زيارة أحد المسؤولين، يصبح كل شيء على أفضل حال. إلا أن الأمر لا يدوم، ويعود كل شيء إلى ما كان عليه بمجرد أن يرحل.
وبطبيعة الحال، يؤكد عدد من المدرسين والمدرسات أن تكدس الفصول يؤثّر على فهم التلاميذ، حتى إن كثيرين في الصف الخامس والسادس الابتدائي ما زالوا لا يجيدون القراءة والكتابة، مشيرين إلى أن الحكومة، ممثلة بوزارة التربية والتعليم، على علم بذلك.
على صعيد آخر، لا بد من الإشارة إلى أن المدارس الخاصة لا تعرف ظاهرة التكدّس، على الرغم من أن عدد التلاميذ زاد عن الرقم المسموح به، ووصل إلى 30 تلميذاً في الفصل الواحد. مع ذلك، لا تمثّل النسبة مشكلة للتلاميذ والأساتذة.

في السياق، يؤكّد الخبير التربوي في جامعة عين شمس حسن شحاتة أن "ظاهرة تكدّس الفصول في المدارس تؤدي إلى ضعف العملية التعليمية، الأمر الذي حذرنا منه أكثر من مرة". ويؤكد أن هذا العدد الكبير داخل الفصول يمنع المدرس عن أداء رسالته التعليمية. ويرى أن هذه جريمة لأن الأطفال لا يجدون مكاناً للجلوس.

ويعزو شحاتة المشكلة إلى عدم التوسع في إنشاء مدارس جديدة، وعدم التخطيط للعملية التعليمية، لافتاً إلى أن كل وزير تعليم جديد يأتي ليحقق رؤيته وتجاربه الخاصة، ويغفل المرحلة السابقة. ويضيف "نحتاج إلى سياسة ثابتة للتعليم. وفي ما يتعلق بحل هذه المشكلة من خلال زيادة عدد الطوابق في المبنى نفسه، فلا يمكن تنفيذها لأن جميع المدارس مصممة بطريقة مختلفة، ولا يمكن التوسع إلا أفقياً. ويتابع أنه في بعض المدارس، يوجد ثلاث فترات للدراسة على مدار اليوم بسبب كثرة التلاميذ، ما يؤدي إلى انهيار المنظومة التعليمية في مصر، وصار الاعتماد على الدروس الخصوصية التي ترهق المصريين.

اقرأ أيضاً: الدروس الخصوصيّة.. أسعار خيالية قبل امتحانات مصر النصفيّة