"زبّطا"... برنامج سوري تحت عباءة النظام

02 ديسمبر 2017
الصورة
فريق عمل البرنامج (زبّطا/فيسبوك)
+ الخط -
قبل شهرين، بدأ برنامج "زبّطا" بالبثّ أسبوعياً (كل يوم خميس) عبر الصفحة السورية الشهيرة على موقع "فيسبوك"، "يوميات قذيفة هاون".

وعُرّف البرنامج بأنه مشروع شبابي تديره مجموعة تلاميذ "مهمشين" من كلية الإعلام في العاصمة السورية دمشق، حاولوا فرض أنفسهم عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة للتمرّد على وسائل الإعلام السورية التقليدية.

لكن برنامج "زبّطا" لم يختلف في الشكل والمضمون عن البرامج التقليدية التي تُعرض على الإعلام السوري الرسمي، إذ يناقش المواضيع المكررة نفسها، مثل ارتفاع الأسعار، والوضع الاقتصادي المتردي، ومشاكل الرشاوى والفساد.

إلا أن "زبّطا" تميز برفع سقف النقد، فصوّب على شخصيات وزارية عدة، مع الإشارة دائماً إلى أن "النقد نابع عن حب واهتمام"، ويهدف إلى الإصلاح لا التغيير، وبالتالي مؤكداً على جوهر إعلام النظام السوري. وهكذا، تنحصر ميزة البرنامج في منصة العرض، أي موقع "فيسبوك".

وعلى الرغم من الادعاء المتواصل بأن أعضاء فريق العمل هم من الطلاب المهمشين الذين حاولوا خلق فرصة لهم من دون أي دعم، وبعيداً عن شاشات الإعلام السوري لنقل أحداث الشارع السوري بشفافية ونقد الفساد المنتشر في مؤسسات الدولة، إلا أن ذلك لا يتوافق مع الطريقة التي تمت بها تغطية الحدث من جميع وسائل إعلام النظام السوري الرسمية بعد عرض الحلقة الأولى التي لم تحقق سوى ألف مشاهدة، فتفخيم الحدث والتسويق له على أنه "الأول من نوعه إعلامياً" يؤكد على تبني النظام السوري وإعلامه للبرنامج الطلابي الذي يدعي بأنه يجمع بين الـ"ستاند أب كوميدي" والـ"توك شو"، وفقاً للقائمين به.



وما يدعم هذه النظرية استضافة قناة "الإخبارية" السورية التابعة للنظام السوري مقدّم البرنامج، ماروت صوفي، ومعدّة البرنامج، نور الحاج علي، ما يعني أن "زبطا" ليس إلا نوعاً من سياسة نقد الذات للبدء بالإصلاحات. و

نفى اللقاء التلفزيوني مع صنّاع البرنامج فكرة التهميش التي يتبنونها، عندما رد صوفي على عتاب المقدّم الناجم عن الابتعاد عن المحطات التقليدية الوطنية بالقول إن اختيار صفحات التواصل الاجتماعي مرتبط بمحاولة جذب أكبر شريحة ممكنة من الشباب، وليس بعدم قدرة فريق العمل للوصول إلى مراكز الإعلام الرسمي.

وهذه السياسة أيضاً لا تبدو بعيدة عن النهج الجديد المتبع في الإعلام السوري النظامي الذي يحاول باستمرار جذب أكبر شريحة من الشباب، والانفتاح على كافة السبل، وتعزيز مفهوم النقد والنداء بالإصلاحات، ليحاول الإعلام تحويل قضية الشعب السوري من المناداة بالثورة، إلى المناداة بالإصلاح.

ويكرس الإعلام السوري التابع للنظام الذي يدعي الاستقلالية على العودة بشكل مستمر للغة الخطابية التي طرحها رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في خطاباته، في بداية الثورة السورية، حين وعد بإجراء العديد من الإصلاحات والقضاء على الفساد، وميز بين المطالب المحقة التي تنادي بالإصلاحات والمطالب غير المحقة التي تطالب بالثورة. بل إن اسم البرنامج يبدو مستوحى من اللغة الخطابية للأسد، فـ "زبّطا" التي تعني "أصلحها"، تبدو كمفردة مناسبة يطلبها النظام السوري من شعبه "المهمش".

وللتأكيد على فكرة الانتماء للهامش، ظهر البرنامج في حلقته الأولى بشكل يبين نقص المعدات من خلال حيل درامية مفتعلة وفاضحة، تعمد فيها المصورون إلى تحريك الكاميرا لإنتاج صورة مهتزة، تشبه لحد بعيد الفيديوهات غير الاحترافية التي صورها المتظاهرون وهم يهربون من رصاص النظام، رغم جلوس مقدمي البرنامج في استديو، وكذلك حاول المخرج في بعض اللقطات أن يتلاعب بتقنيات الصوت، ليظهر ويختفي، ليؤكد على فكرة التهميش ونقص المعدات، وليعطي النظام السوري وإعلامه دور البطل الذي أنقذ البرنامج، وجهزه بعد الحلقة الأولى بجميع التقنيات.

وجدير بالذكر أن صفحة "يوميات قذيفة هاون" التي اختارها فريق العمل منصة لبث البرنامج، كانت في بدايتها صفحة على "فيسبوك" أسسها ناشطون يرصدون سقوط الهاون في دمشق وضواحيها، والقصف العسكري على المناطق، ولكنها تجردت فجأة من هويتها المعارضة لأسباب لا تزال مجهولة، واحتفظت باسمها، وتحولت إلى صفحة تنطق بلسان إعلام النظام السوري، بعد أن حذفت المنشورات التي تدين جيش الأسد وتفضح جرائمه، وتم تمويلها مؤخراً، وتمكنت من إطلاق موقع إلكتروني مستقل يحمل الاسم نفسه.




دلالات

المساهمون