"ربيع العسكرة": نفوذ غير مسبوق في عهد السيسي

"ربيع العسكرة": نفوذ غير مسبوق في عهد السيسي

08 يونيو 2015
الصورة
تحاول المؤسسة العسكرية زرع أذرع لها في كل المؤسسات(الأناضول)
+ الخط -
لم يكن مستغرباً أن تسيطر المؤسسة العسكرية، بشكل شبه كامل على مجريات الأوضاع في مصر، خصوصاً أنّ الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي قادم إلى الرئاسة من تلك المؤسسة. تحاول هذه الأخيرة، فرض هيمنتها على مختلف مؤسسات الدولة بما فيها الإعلام، وسبيلها في ذلك، ما يصطلح على تسميته "عسكرة الدولة". لا تكاد تحدث تعديلات في "حركة المحافظين" ورؤساء الوحدات المحلية في مختلف المحافظات، إلّا ويكون هناك "كوتة" مخصصّة لرجال الجيش السابقين.

تحاول المؤسسة العسكرية زرع أذرع لها في كل المؤسسات والوزارات، من خلال تعيين قيادات سابقة في الجيش، ممن تقاعدوا، ولا تخلو مؤسسة أيّ كانت، من رجال القوات المسلحة السابقين. وبخلاف الأمر الواقع الذي فرضه الرئيس المخلوع حسني مبارك، فإن السيسي يعتمد على المؤسسة العسكرية في قراراته، وعلى من يحيط به من رجاله.

وقبل عام، مع تولي السيسي للرئاسة، انتدب المتحدث العسكري السابق، العقيد أحمد علي، في المكتب الإعلامي، فضلاً عن انتداب أحد قيادات الجيش في رئاسة ديوان رئاسة الجمهورية، مدير مكتبه حين كان وزيراً للدفاع، عباس كامل، وصاحب التسريبات الشهيرة.

اقرأ أيضاً: السيسي في برلين: استنساخ صورة مبارك

الأذرع الإعلامية

عقب الانقلاب الذي قاده السيسي، بدا واضحاً وجود خطة معدّة مسبقاً للتعامل مع الإعلام، ما كشف عنه الرجل بنفسه، خلال لقائه ببعض قادة القوات المسلحة. وقد تحدث حين كان وزيراً للدفاع بصراحة، عن سعي المؤسسة العسكرية تشكيل أذرع إعلامية، مؤكداً ضرورة إتاحة مجال من الوقت لتنفيذ هذا الأمر.

ويحاول السيسي تشكيل نخبة جديدة له للدفاع عنه وتبرير سياساته للرأي العام، بعيداً عن نخب أخرى معروف ولاؤها لرجال الأعمال وبعض الأجهزة الأمنية. في هذا الصدد، يقول الخبير السياسي محمد عز لـ "العربي الجديد": "إن المؤسسة العسكرية تحظى بأهمية كبيرة في المشهد الحالي، خصوصاً أن السيسي يعتمد كلياً على رجال القوات المسلحة". ويضيف، أن "سيطرة المؤسسة العسكرية على المشهد الحالي وتشكيل نخبة جديدة، وهي أولوية بالنسبة للسيسي خلال الفترة المقبلة، لأنه لا يضمن ولاء المؤيدين له أساساً".

ويؤكد أنّ "خلافات رجال الأعمال مع السيسي تظهر في توجيه انتقادات وهجوم على بعض سياساته، مثلما حدث في حديث سابق للإعلامي يوسف الحسيني وتوفيق عكاشة، حين وصفوا سياسات الرجل بـ "الفاشلة".

اقرأ أيضاً: السلطات المصرية تستبق عصيان 11 يونيو بالقمع

السيطرة على المشاريع

ومنذ تولي السيسي الحكم، بدا أيضاً أن التوجه الأول لدى النظام الحالي إسناد أي مشاريع كبيرة للجيش، في محاولة منه للسيطرة وتأميم المجال العام في مصر. فلا يكاد يتحدث عن تنفيذ مشروع كبير مثل قناة السويس، بغض النظر عن جدوى تلك المشاريع والاستفادة التي ستعود على المواطنين منها، إلّا ويكون الجيش طرفاً فيها، الذي يعتمد بدوره، في السيطرة على أغلب المشاريع الكبرى التي تنفذها الدولة، عبر "جهاز مشروع الخدمات الوطنية"، التابع لوزير الدفاع.

ويعود تشكيل هذا الجهاز والقانون المنظم له، إلى فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات، وتحديداً في أواخر سبعينيات القرن المنصرم عام 1979. بموجب هذا القانون، الذي لا يزال سارياً ولم يطرأ عليه أي تعديل، يمكن إسناد أي مشروع في الدولة، لهذا الجهاز بالأمر المباشر، ما يعني، أنّه حوّله إلى أمر قانوني بحت. وتثير سيطرة الجيش على المشاريع الكبرى في الدولة وحرمان أي شركة أخرى منها، وتحقيق مبدأ التكافؤ، أزمة كبيرة وشكوكاً حول سيطرة اقتصادية مسلحة على الدولة.

وتتقاسم ثلاث جهات عسكرية أعمال إنتاج مدنية، وهي وزارة الإنتاج الحربي التي يذهب 40% من إنتاجها للسوق المدنية، والهيئة العربية للتصنيع التي تمتلك 11 مصنعاً، ويذهب 70% من إنتاجها للسوق المدنية أيضاً، و"جهاز مشروعات الخدمة الوطنية" الذي يقدم كل إنتاجه للسوق المدنية. وبحسب تقديرات رسمية، يبلغ حجم أرباح الجيش سنوياً نحو 750 مليون دولار، إلّا أنّ هناك تقديرات غير رسمية لخبراء اقتصاديين، أعدها مركز "كارنيجي" للأبحاث، تتحدث عن أرقام أكبر بكثير، تصل إلى أنّ شركة واحدة تجني خمسة مليارات دولار سنوياً.

اقرأ أيضاً: صحفيون وشبيحة أيضاً

خلافات مع رجال الأعمال

من خلال سيطرة الجيش على المشاريع الكبرى، نشأ خلاف كبير خفي بين النظام الحالي ورجال الأعمال، على خلفية عدم إشراكهم في تلك المشاريع وتنفيذها. بدأ هذا الخلاف يظهر إلى العلن، بعد هجوم إعلامي على رأس النظام وسياساته خلال الفترة الماضية، فضلاً عن ارتفاع أصوات المعارضة من قبل بعض الأحزاب، التي يرعاها وينفق عليها رجال الأعمال. كما يتمتع رجال الجيش، منذ تولي السيسي، بامتيازات كبيرة على الصعيد المعيشي، من خلال زيادة الرواتب.

يقول مصدر سياسي مطلع لـ "العربي الجديد"، "إن هناك خلافاً بين السيسي ورجال الأعمال، منذ فترة طويلة. ليس فقط لمطالبتهم التبرع بالأموال لدعم الاقتصاد، بل يكمن السبب الرئيسي في سيطرة الجيش على الشأن الاقتصادي". ويضيف المصدر، أنّ "رجال الأعمال يعدون لخوض الانتخابات المقبلة، بشكل مكثف، للسيطرة على البرلمان، كي تكون لديهم أوراق ضغط على السيسي للحصول على مزيد من النفوذ والتسهيلات".

ويؤكد أن "رجال الأعمال يعقدون اجتماعات مكثّفة مع بعضهم البعض، لدعم مرشحين في مختلف المحافظات، ومن ثم تشكيل كيان داخل مجلس النواب، وتشكيل الحكومة"، مشيراً إلى أنّ "السيسي، بالتأكيد لديه معلومات حول ما يدبّر له رجال الأعمال، لذلك ربما يمكن هذا الأمر أحد أسباب تأجيل الانتخابات".

ويسعى رجال الأعمال للسيطرة على مجلس النواب، لوقف سيطرة الجيش على المشاريع الكبرى، وتشريع قوانين أو تعديل ما هو قائم، لتخفيف هذه القبضة المفروضة، لصالحهم طبعاً، بحسب المصدر.

اقرأ أيضاً: عام على حكم السيسي: "عرضٌ لرجل واحد"

امتيازات كبيرة

كان أحدث فصول الامتيازات التي حصلت عليها المؤسسة العسكرية، تلك المتعلقة بقرار إلغاء الضرائب العقارية عن منشآت تابعة للجيش، ويتجاوز عددها 600 منشأة تقريباً. قرار لا يؤكد سوى النفوذ الذي تتمتع به تلك المؤسسة منذ تولي السيسي، مع توقعات بتزايد هذا النفوذ طالما أنه لا يزال في الحكم.

في هذا السياق، يقول خبير سياسي لـ "العربي الجديد": "إن المؤسسات العسكرية تتمتع بنفوذ وقوة لم تكن عليه أيام مبارك، خصوصاً مع رفض سيناريو التوريث الذي كان يعدّه جمال مبارك".

ويضيف الخبير، (طلب عدم ذكر اسمه) أن "المؤسسة العسكرية ستدعم السيسي بكل قوتها للحفاظ على المكتسبات التي حصلت عليها خلال الفترة الأخيرة، وإن كانت هذه الامتيازات لن يتم التراجع عنها بشكل كبير حتى مع رحيل السيسي وقدوم غيره"، متوقّعاً، "استمرار حصول المؤسسة العسكرية ورجال القوات المسلحة على الامتيازات، وهذا لا يتعلق بموقف سلبي من الجيش المصري وإنما بسياسات الدولة".

اقرأ أيضاً: شفيق يناور السيسي بحملة جديدة

المساهمون