"رايتس ووتش": الاعتداء الجسدي على الطلاب منتشر بمدارس لبنان

13 مايو 2019
الصورة
لا تطبيق للقوانين التي تمنع العقاب البدني (ماركوس فالنس/Getty)


ذكرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن الاعتداء الجسدي على الطلاب منتشر في المدارس في لبنان، رغم أنه أصبح غير قانوني منذ سبعينيات القرن الماضي، ويصل إلى حدود انتهاك حقوق الإنسان.

وبيّنت المنظمة في تقرير جديد بعنوان "ما بدي إبني ينضرب"، نشرته اليوم الاثنين، أن أغلب الطلاب الذين قابلتهم والبالغ عددهم 51 طفلاً قالوا إنهم تعرضوا للعقاب البدني، من صفع وضرب باستخدام أسلاك كهربائية وأنابيب مطاطية وأحزمة وعصي ومساطر.

ونقلت شهادات أولياء أمور ومعلمين وناشطين تربويين حول ما يجري في مدارس البلاد، أشاروا فيها إلى أن وسائل الاعتداءات الجسدية تصل إلى مستوى انتهاك حقوق الإنسان.

شهادة فادي ووالدته

بعدما شُخِّص بسرطان الدم في الخامسة من عمره، كان فادي (اسم مستعار) ما زال يعاني من الآثار الجانبية للعلاج عندما قابله الباحث في "هيومن رايتس ووتش"، بيل فان إسفلد، للتحدث معه ومع أمه عن الإساءات التي تعرض لها في مدرسته القديمة في محافظة البقاع اللبنانية.

وأوضحت رشا، والدة فادي، لفان إسفلد، أن دواء ابنها وعلاجه جعلا التركيز صعبا عليه. لكن بدلاً من مساعدته، وبّخه موظفو المدرسة، ووجّهوا إليه الإهانات اللفظية واعتدوا عليه جسديا. كانت معلمة تشد شعره وتنعته بالأحمق أو الـ"حمار" وتجبره على الوقوف في الخارج. اشتكت رشا إلى مديرة المدرسة - التي قال فادي إنها أيضا شدت شعره - لكنها أخبرت رشا بأن على ابنها أن يكون في مؤسسة للأطفال ذوي الإعاقة.

فادي لديه حالة طبية خطيرة، وليس إعاقة. لكن المديرة كانت صريحة بأنها تريد طرده. في لبنان، الأطفال ذوو الإعاقة الذين يجب تسجيلهم في المدارس يُرسلون غالبا إلى مؤسسات ليست مُخولة حتى بتوفير التعليم.

قالت لفان إسفلد: "حين يُصاب فادي بحالات صداع شديد، تتصل بي المديرة وتقول: لا تحضريه إلى هنا مجددا". وفقا لفادي، فاته امتحان لأنه سقط بسبب مرضه وكسر فكه، قال إن الأمر أزعج المديرة.

كان فادي في مدرسة خاصة في محافظة بعلبك - الهرمل، لكن عندما انتقلت العائلة إلى بلدة أخرى في منطقة البقاع للعمل، لم يتمكن والداه من تغطية تكاليف التعليم. دخل النظام الحكومي عندما كان عمره 9 سنوات. ولاحظت رشا أن المعلمين في هذه المدرسة الحكومية لم يُحسنوا معاملة ابنها ولم يوفروا ما يساعده على التعلم. وعندما اشتكت للمدرسة، وهو ما فعلته 4 مرات على الأقل، قيل لها إنه لا يمكن لابنها الحصول على أي "معاملة خاصة". وكان ما تطلبه هو توقفهم عن الإيذاء النفسي والجسدي لابنها المريض.

أصبح فادي محط تركيز معلمة على وجه الخصوص، والتي كانت تدعوه بالـ"حمار" عندما كان الصداع يُصعّب عليه التركيز، وتجبره على الوقوف خارجاً في البرد كعقاب. وبالنسبة لرشا، التي تُعيل أيضا شقيقَيْ فادي، ضاعفت المعاناة النفسية من قلقها حول صحة فادي. كانت ترى ابنها يعود يوميا من المدرسة بائسا ويبكي زيادة على كل ما كان يواجهه.

وكتبت رشا منشوراً على "فيسبوك"، رغم أنها فلسطينية، وتخشى من التعصب الذي يواجهه الفلسطينيون في لبنان، إلا أنها استنفدت جميع خياراتها الأخرى. بعدما جذب المنشور بعض الانتباه، قابلت محطة تلفزيونية لبنانية وزير التربية، واقترح على الهواء أن تُتابع الأسرة قضية فادي مع مسؤولي الوزارة في بيروت. في فقرة إخبارية أخرى، سُجلت مقابلة مع مديرة المدرسة قالت فيها إن على فادي أن يكون في مؤسسة وأن مظهره، نتيجة لعلاجه الكيميائي، يزعج الأطفال الآخرين. رغم كل ذلك استمرت الإساءة.

وقالت: "كنت أحاول جاهدة إبقاءه قويا نفسيا، وليس مستاء، لأن ذلك أهم شيء عند الإصابة بالسرطان. وكان يأتي إلى المنزل مستاء كل يوم. كان يكره الذهاب إلى المدرسة".

في 2018، أطلق لبنان سياسة لحماية الأطفال في المدارس، متضمنة بندا خاصاً يحظر على المعلمين إيذاء التلاميذ. لكن محظورات مماثلة كانت موجودة منذ عقود. نادرا ما تُطبّق القوانين وغالبا ما لا يُحاسب المعلمون الذين يخالفونها.

شهادات أخرى

أخبر الأهالي "هيومن رايتس ووتش" عن ضرب أطفالهم بالعصي وأدوات أخرى، وضربهم على الوجه، وسحبهم من تحت المكاتب حيث كانوا يحاولون تجنب الضرب، ليُضربوا مرة أخرى.

شُد صبي عمره 10 سنوات إلى الأعلى من أنفه مرتين، فكُسر، ولم تعرف والدته إلا عند عودته للمنزل مغطى بالدماء. اتهمت معلمة فتاة بالغش لظنها أنها تستخدم آلة حاسبة في حصة الرياضيات. ضُربت على وجهها بقسوة لدرجة أنه كان لا يزال أحمر ومتورما عندما عادت إلى المنزل بعد ساعتين. يتوجه بعض الأهالي مباشرة إلى الشرطة عندما يرون حالات أطفالهم، وأخبروا "هيومن رايتس ووتش" عن خيبة أملهم عندما لم تتخذ الشرطة أي إجراء.

المشكلة أكثر حدة بالنسبة لأبناء وبنات اللاجئين السوريين - يرتاد 210 آلاف منهم المدارس الحكومية في لبنان - لأن عائلاتهم تخشى تقديم الشكوى غالبا بسبب وضعها الضعيف في البلاد . في إحدى الحالات، أصبحت الإساءة إلى الأطفال السوريين في إحدى المدارس شديدة لدرجة أن اللاجئين بأكملهم سحبوا أطفالهم من المدرسة، ورفضوا إعادتهم إلى أن تُعالج مشاكل كمنعهم من الذهاب إلى الحمام وضربهم.

لحسن حظ فادي، ظهر خيار في نهاية المطاف. قامت رشا ببعض الأبحاث ووجدت مدرسة خاصة تقدم منحا دراسية للأسر ذات الدخل المنخفض، وتمكن من الانتقال في العام الماضي. يُحب فادي الآن الذهاب إلى المدرسة مجددا ويمكن لأمه البدء في البحث عن عمل مطمئنة إلى أنه سعيد. لا يزال فادي يمر بأيام عصيبة، كاليوم الذي قابل فيه فان إسفلد، لكنه على الأقل يستمتع عندما يستطيع الذهاب إلى المدرسة. وقالت والدته: "حتى أنهم يحملون حقيبة ظهره له الآن".