"رابعة"..عامان من انتهاكات أمنية ممنهجة وإفلات من العقاب

"رابعة"..عامان من انتهاكات أمنية ممنهجة وإفلات من العقاب

13 اغسطس 2015
الصورة
مازال ملف المجزرة متجاهلاً بعد عامين (GETTY)
+ الخط -


أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تقريراً، اليوم الخميس، بعنوان "عامان من الانتهاكات الأمنية الممنهجة واستمرار سياسات الإفلات من العقاب"، بمناسبة مرور عامين على مذبحة رابعة العدوية.

وقال التقرير: "يحل غداً الذكرى السنوية الثانية لفض قوات اﻷمن اعتصام عشرات اﻵﻻف من أنصار الرئيس الأسبق، محمد مرسي، في ميداني رابعة العدوية والنهضة، والذي أسفر عن سقوط ما قد يصل إلى ألف قتيل في صفوف المعتصمين في مذبحة تعد اﻷسوأ واﻷكثر فداحة في تاريخ مصر منذ استقلالها".

وأشار التقرير إلى أنه "على الرغم من تشكيل اللجنة القومية لتقصي حقائق أحداث العنف التي واكبت ثورة 30 يونيو/حزيران، والتعهد الرسمي بالالتزام بمخرجات تقريرها وتوصياته إﻻ أن كلًّا من التوصيات والالتزام الرسمي المفترض قد جاءا دون المأمول ومخيبين للتوقعات".

وأضاف التقرير "بعد مرور عامين على هذه الكارثة، أصبح القتل والاستخدام غير المتدرج للقوة منهجاً في حد ذاته بغض النظر عن حجم وسلمية الاحتجاجات، فقد رأينا قوات الأمن تبادر باستخدام القوة القاتلة الفورية في التعامل مع مظاهرات صغيرة الحجم ولا تحمل حتى طابعاً احتجاجيًّا مثل مظاهرة حزب التحالف الشعبي في ذكرى ثورة يناير، في 2015، التي شهدت واقعة قتل شيماء الصباغ. بل إن الشهور الماضية قد شهدت حالتين على اﻷقل من التصفية الجسدية لمعارضين، قالت قوات الأمن، إنهم بادروها بالعنف على خلاف كثيرٍ من الشهادات الموثقة بما يستدعي تحقيقاً محايداً وشفافاً في هذه الحوادث".

ولفت التقرير إلى "التصاعد غير المسبوق في التضييق على حزمة من الحقوق اﻷساسية كالحق في التجمع السلمي والحق في المحاكمة العادلة إلى الحد الذي انتهى بالآلاف ليكونوا من المسجونين أو المحبوسين احتياطيّاً على خلفية قضايا ذات طابع سياسي، كتلك المتعلقة بخرق قانون التظاهر مثلاً، وقد قضى العشرات منهم نحبهم في أماكن اﻻحتجاز نتيجة التعذيب أو اﻹهمال الطبي أو التكدس الشديد".



كانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قد وثقت وقائع القتل خارج إطار القانون عند فض اعتصاميِّ رابعة والنهضة، وما سبق الفض كذلك من اقتتال أهلي وعنف طائفي وعنف من الدولة طوال شهر يوليو/تموز 2013، وصولاً إلى وقائع فض الاعتصامين، في تقريرها "أسابيع القتل" الصادر في يونيو/حزيران من العام الماضي. وقد تقدمت المبادرة بتقريرها والشهادات الموثقة التي جمعتها إلى اللجنة القومية لتقصي الحقائق وأبدت استعدادها الكامل للتعاون معها في هذا الشأن.

إﻻ أن تقرير اللجنة أتى دون المأمول وأخفق في اﻹفادة من اﻹمكانيات التي أتاحها القرار المنشئ للجنة. فقد حمَّلت لجنة تقصي الحقائق المسؤولية الرئيسية عن حصيلة الخسائر المرتفعة، في أثناء فض اﻻعتصامين وغير ذلك من أحداث العنف السياسي في صيف 2013، لقيادات سياسية مختلفة وللمتظاهرين أنفسهم.

تزوير الوقائع
وفي أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، التي شكلت أكثر الوقائع دموية وتم التحقيق فيها، فإن اللجنة قد خلصت إلى أن قوات الأمن قد استخدمت القوة المتدرجة واضطرت في النهاية إلى استخدام القوة المميتة فقط للرد على استخدام المتظاهرين أسلحة نارية.

ودفع التقرير إلى أن قوات الأمن اتخذت خطوات كافية لتقليل الخسائر وتوفير مخرج آمن للمتظاهرين، ولم تخطِّئ اللجنة قوات الأمن إلا في عدم استهداف العناصر المسلحة وسط الاعتصام بفاعلية، مما رفع أعداد الخسائر. وألقت اللوم على المتظاهرين غير المسلحين لإصرارهم على البقاء في موقع العنف والقيام بدور "الدروع البشرية" لمن يستخدمون العنف.

وفي التوصيات، أخفقت اللجنة في عدم دعوة السلطات القضائية المعنية لضمان التحقيق الكامل والمستقل والمحايد في جميع أحداث العنف، انطلاقًا من نتائج تقريرها، وفي عدم الدعوة إلى محاسبة المسؤولين عنها. كما لم تدعُ اللجنة إلى مراجعة وتعديل التشريعات المنظِّمة لاستخدام القوة والأسلحة النارية من جانب قوات الأمن، ولا إلى إنشاء آليات إشرافية للتحقيق في مزاعم الانتهاكات الجسيمة من جانب الشرطة، كما أوصت المبادرة في مراسلاتها مع اللجنة. وعلى الرغم من سكوت اللجنة عن استخدام الذخيرة الحية إلا أنها أوصت بإعادة النظر في استخدام "الخرطوش".

وأمام ما وصفته المبادرة بـ"اﻹخفاق الرسمي واستمرار اﻻنتهاكات اﻷمنية المنظمة وغياب أي تحقيقات شفافة وتعزيز سياسة اﻹفلات من العقاب"، طالبت بتحقيق قضائي موسع ومستقل في أحداث العنف التي وقعت، منذ اندﻻع ثورة يناير 2011، وحتى اﻵن، فضلاً عن تشكيل لجنة مستقلة تضم خبراء أمنيين وقانونيين وممثلين للمجتمع المدني، بما فيه الأحزاب السياسية لاقتراح سياسات ونظم وتغييرات تقنية في أسلوب عمل الشرطة، على أن تقدم هذه الاقتراحات إلى البرلمان القادم لوضعها في صورة قانون.

وطالبت المبادرة، أيضاً، بإنشاء آلية رقابة مستقلة عن الجهاز التنفيذي للتحقيق في حوادث القتل أو الإصابة الخطرة، التي تنتج عن التعامل الشرطي، سواء وقعت في أماكن الاحتجاز التابعة لوزارة الداخلية أو في المجال العام (أي في الكمائن والشوارع والطرقات وأي مكان لا يتبع مباشرة جهاز الشرطة)، وإلغاء القانون رقم 107 لسنة 2013 الصادر بقرارٍ من الرئيس المؤقت عدلي منصور بتاريخ 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، المعروف باسم "قانون التظاهر"، والذي يضيق تعريف التظاهر والتجمع السلمي إلى الحد الذي يصبح معه من المستحيل عمليّاً تنظيم أي من أشكال الاحتجاج السلمي، ويضع قيوداً مجحفة على الحق في التجمع والتعبير عن الرأي ولا يتسق مع الحد الأدنى من المعايير الدولية.

وأكدت المبادرة أن غياب الحقيقة والمحاسبة بعد عامين من حادث الفض هو كارثة ﻻ تقل عن كارثة مقتل ألف معتصم. واستمرار هذا الممارسات اﻷمنية على حالها لا ينذر إﻻ بالمزيد من الحوادث المماثلة في المستقبل وتتناقض مع المستقر من دروس التاريخ والتي تكشف أن حكم القانون وحماية الحقوق اﻷساسية للمواطنين هي في حد ذاتها من أنجع اﻹجراءات وأكثرها فعالية في مواجهة أخطار العنف واﻹرهاب.