"داعش" يتراجع في الرقة... ومجازر التحالف تفتك بالمدنيين

02 سبتمبر 2017
الصورة
عائلات عائدة إلى سورية لإحياء الأضحى (بولنت كيليك/فرانس برس)


تواصلت المجازر والمعارك في مدينة الرقة السورية، مع استمرار غارات التحالف الدولي، وكشف مصادر إعلامية النقاب عن مجازر ارتكبها التحالف الشهر الماضي، وذلك في وقت بدأ فيه تنظيم "داعش" بالتراجع أمام "قوات سورية الديمقراطية"، المدعومة من التحالف. وفي خضمّ ذلك، بوشر الحديث عن احتمال نهاية العنف في سورية.

في هذا السياق، أعرب مبعوث الأمم المتحدة الخاص لدى سورية، ستيفان دي ميستورا، عن اعتقاده بـ"بدء نهاية الحرب الدائرة هناك". وفي حديث لقناة "بي بي سي" البريطانية، توقّع دي ميستورا هزيمة تنظيم "داعش" في آخر معاقله في سورية خلال الأشهر القليلة المقبلة "وبحلول شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل". لكنه حذّر من "احتمال عودة المسلحين، كما حدث في العراق، في غياب عملية سياسية تؤدي إلى تشكيل حكومة شاملة في سورية". وأضاف أن "ما نراه في رأيي هو بداية نهاية هذه الحرب. وما نحتاج ضمانه هو أن يكون هذا بداية السلام كذلك، وبداية التحدي في اللحظة الراهنة". وكشف أنه "كنت في العراق حين هُزم تنظيم القاعدة. ثم عاد التنظيم أقوى. لماذا؟ لأنه لم تتشكل حكومة شاملة في الوقت المناسب لضمان مشاركة الجميع، خصوصاً المجتمع السني، وهو الأغلبية في سورية". وشدّد دي ميستورا على "ضرورة أن يمارس المجتمع الدولي ضغوطاً على حكومة الرئيس السوري بشار الأسد والمعارضة كي ينخرطوا في مفاوضات".

وذكّر بأن "هناك ثلاثة أماكن لا تزال أبعد ما تكون عن الاستقرار وهي الرقة ودير الزور وإدلب"، مشيراً إلى أنه "ستحين لحظة الحقيقة بعد الرقة ودير الزور، وهي مسألة ستحسم خلال بضعة أشهر. وإذا قدّم المجتمع الدولي المساعدة لكل من المعارضة والحكومة بالضغط على الحكومة لقبول تفاوض حقيقي، فخلال سنة يمكن إجراء انتخابات يعتد بها بحق".

وتابع دي ميستورا أنه "من المرجّح أن يحرّر النظام السوري والروس دير الزور ما بين الآن ونهاية هذا الشهر وربما بحلول أوائل أكتوبر". وأضاف أن "الولايات المتحدة وقوات سورية الديمقراطية سيحرران الرقة على الأرجح بنهاية أكتوبر". وتابع قوله إن "المنطقة الثالثة وهي إدلب، تنتشر فيها جبهة النصرة (جبهة فتح الشام حالياً)، بالإضافة لتنظيم داعش". وأشار إلى أن "الدرس المستفاد من مدينة الموصل العراقية هو أنه يجب إجراء انتخابات نزيهة بعد انتهاء الحرب السورية تحت إشراف الأمم المتحدة ومن دون تهميش للأقليات. وحتى من يعتقدون أنهم فازوا في الحرب، أي النظام، سيحتاجون للقيام ببادرة وإلا سيعود داعش خلال شهر أو شهرين". وذكّر بأنه "ليس من مصلحة أحد عودة داعش في سورية، وحلفاء الأسد في موسكو يريدون حتماً استراتيجية خروج". وكشف أنه "نقترب من تفاهم ما، حتى بين أولئك المشاركين في الصراع، على أن الأولوية لإنهاء الأمر. ما نحتاجه هو إنهاء الأمر بشكل دائم، لا مجرد أن ننهي الصراع وحسب".

من جهته، قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، أمس، إنه "يريد من القوى الكبرى الاتفاق على جدول زمني لفترة انتقالية تفرض على السوريين"، لكنه استبعد أي دور لرئيس النظام السوري، معتبراً أنه "قتل جزءاً من شعبه". وجاءت تصريحات لودريان، رغم ما بدا أنه تخفيف لموقف باريس في القضية السورية، منذ وصول الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الرئاسة.


وكان التغيير الذي اقترحه ماكرون هو إسقاط المطالب برحيل الأسد كشرط مسبق للمحادثات، رغم أن مسؤولين فرنسيين ما زالوا يصرون على أن الأسد لا يمكن أن يمثل مستقبل سورية في الأمد الطويل. لكن لودريان الذي كان وزيراً للدفاع في عهد الرئيس السابق فرانسوا هولاند، قال إن "الوضع تغيّر فداعش على حافة الهزيمة".

ولفت إلى أن "التركيز يمكن أن يتحول الآن إلى حل الصراع الدائر منذ ست سنوات، والذي حصد أرواح أكثر من 300 ألف شخص ودفع الملايين لترك ديارهم". وقال لودريان لإذاعة "أر.تي.إل"، إنه "لا يمكن أن يكون الأسد جزءاً من الحل. الحل هو التوصل مع كل الأطراف إلى جدول زمني لانتقال سياسي سيمكّن من وضع دستور جديد وإجراء انتخابات".

ميدانياً، أكدت حملة "الرقة تُذبح بصمت"، المختصّة بتوثيق الانتهاكات في المحافظة، أمس الجمعة، أن "طيران التحالف الدولي بقيادة واشنطن ارتكب في 19 أغسطس/ آب الماضي مجزرة في حي المرور بقصفه مبنى سكنياً كان يضم أربع عائلات، ما أدى إلى مقتل 21 شخصاً، معظمهم أطفال ونساء. ونشرت الحملة على صفحتها على موقع "فيسبوك" أسماء الضحايا، وجلهم من عائلتي الحشيش والعلي.

وقُتل منذ السادس من يونيو/ حزيران الماضي، حيث بدأت معركة انتزاع مدينة الرقة من "داعش"، أكثر من ألف مدني، بينهم عائلات بكاملها، وفقاً لمراكز تابعة للمعارضة السورية. كما قُتل العشرات من المدنيين بانفجار ألغام سوّر بها التنظيم المدينة، أثناء محاولتهم النجاة بأنفسهم، وهو ما جعل أكثر من عشرين ألف مدني عالقين داخل المدينة، حذّرت الأمم المتحدة أكثر من مرة من كارثة كبرى محدقة بهم مع استمرار المعارك، من دون فتح ممرات آمنة لمن بقي في المدينة.

في هذا السياق، قال مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، زيد رعد الحسين، إنه "يشعر ببالغ القلق من أن القوات المهاجمة للرقة فشلت في التقيّد بالمبادئ الدولية للقانون الدولي الإنساني، في ما يتعلق بسبل الوقاية والحياد والتناسب". ودعا في بيان له، يوم الخميس، "كل الأطراف المنخرطة في النزاع أو التي لديها نفوذ فيه إلى تيسير الخروج العاجل والآمن للمدنيين الراغبين في مغادرة مدينة الرقة، وإلى ضمان حماية أولئك الباقين هناك"، وفق البيان. ولم تعمل مختلف أطراف الصراع على توفير ممرات آمنة للمدنيين الذين باتوا دروعاً بشرية، ما أدى إلى كارثة إنسانية. وأكدت مصادر محلية أن "ما يصل للإعلام أقلّ بكثير مما جرى ويجري".



كما كشفت مصادر مقرّبة من "قوات سورية الديمقراطية"، أن "الأخيرة حققت تقدماً كبيراً على حساب داعش، متوغّلة أكثر داخل مدينة الرقة، معقل داعش الأبرز سورياً، والذي بات على وشك فقدانه، إذ لم يعد أمام مسلّحيه خيار آخر بعد محاصرتهم من كل اتجاه".

وأوضحت المصادر أن "قوات سورية الديمقراطية تتقدم في منطقة الزور، وشارع النور، بالقرب من مدرسة التجارة، والفيلات المقابلة للنقطة 11 (المحكمة العسكرية)"، مشيرة إلى أنها "سيطرت على دائرة النفوس، ومحكمة الرقة الجديدة قيد الإنشاء، وأصبحت على بعد أمتار محدودة من مستشفى الطب الحديث، والمستشفى الوطني، وحاصرت بذلك شارع الانتفاضة، ومنطقة شرق المرور".

ونشرت المصادر خارطة كشفت تقلّص مساحة سيطرة التنظيم في مدينة الرقة بعد نحو ثلاثة أشهر من المعارك الضارية، مظهرة محاصرة "قوات سورية الديمقراطية بشكل كامل حيي الدرعية والمرور، غربي المدينة".

وسبق أن انتزعت "قوات سورية الديمقراطية" منذ بدء معركة الرقة في السادس من يونيو/ حزيران الماضي، أحياء: السباهية، والرومانية، واليرموك، والقادسية، وبريد الدرعية، ونزلة شحاذة، والمشلب، والصناعة، والمدينة القديمة، والبتاني، وتل البيعة، وهشام بن عبد الملك، وقبر الصحابي عمار بن ياسر، وقبر التابعي أويس القرني، ومساكن الشباب، وأحياء أخرى.

كما سيطرت على أهم شوارع المدينة، وأبرزها شارع القوتلي، الذي تعرّض لدمار كبير، وفق ناشطين محليين نشروا صوراً على وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت حجم هذا الدمار. كما سيطرت تلك القوات على شارع المنصور، المتقاطع مع القوتلي، بالقرب من المتحف الوطني، وأجزاء من شارع 23 شباط.