"داعش" هل من جدوى للمناصحة؟

11 اغسطس 2014   |  آخر تحديث: 22 يوليو 2020 - 05:54 (توقيت القدس)
+ الخط -


لا شك في أن التطرف المستند إلى خلفية دينية، حقيقة موجودة لم يسلم منها دين/معتقد في وقتنا الراهن، ولعل النمو المريب، أخيراً، لما يسمى "داعش"، واتساع الرقعة التي تسيطر عليها، ودورها السلبي في التشويش على الثورة السورية، بل وتحولها مصدر خطر إقليمي، يحتم على كل المعنيين بالشأن مقاربة هذه الظاهرة، وتحليل أسبابها، لا سيما مع تفاقمها، وصيرورتها بؤرة تجتذب أصحاب هذا الفكر المنحرف من سائر أصقاع العالم.

لا يمكننا إغفال ظروف نشأة التطرف المعاصر، بالنظر في تاريخ نشأة هذه الجماعات التي تم تأسيس بعضها في أقبية السجون، وكان فكرها يمثل تمرداً على ما عاشه أفرادها من تعذيب وقمع، ما ورّث لديهم قناعات تنأى بهم عن التنظير الفكري والسياسي، وما لبث هذا التيار أن ازداد جاذبية مع استمرارية الاستبداد السياسي.

مال معاصرون كثيرون إلى إطلاق صفة خوارج العصر على أفراد داعش، في استحضار بدايات الانحرافات الفكرية التي اتخذت طابعاً مسلحاً في التاريخ الإسلامي. وأعقب ذلك استحضار نصوص وآثار مروية عن السلف، ومحاولة إسقاط صفاتهم الجسدية والسلوكية على داعش.

وربما كان من فوائد تشبيه داعش بالخوارج، التخلي عن التفكير المطلق بعقلية المؤامرة، وأن داعش صنيعة الغرب، أو الأنظمة بشكل كامل، فالفكر المتطرف بدأ في مراحل مبكرة قريبة من العهد النبوي، وبحضور كبار الصحابة. وعليه، لا مناص من مقاربة أسباب هذه الظاهرة في معزل عن نظرية المؤامرة، مع عدم إغفال الدور المحرض لبعض الأنظمة في تنمية هذا الفكر. لكن، لا بد من التسليم بوجود عوامل ذاتية، لها دور أساسي في صناعة التطرف.

يخلص صحافي ميداني، بناء على إفادات وشهادات ناشطين ومقاتلين عديدين في سورية، إلى أن غالبية مسلحي داعش‬ مغرر بهم، ومغيبون، كلياً أو جزئياً، عن حقيقة الصراع، بسبب انقطاعهم التام عن وسائل الإعلام والإنترنت، واقتصار معلوماتهم عما يأتيهم من قياداتهم، لأن معظمهم من البسطاء والسذج والمتهورين، وهم أكثر الناس قابلية للشحن العاطفي، كما أن الحصيلة الفقهية الضحلة لدى معظمهم تسهل ملء عقولهم بفتاوى التكفير، إضافة إلى الرواية المضللة التي تصل إليهم من قياداتهم، بطعن الجيش الحر لهم في ظهورهم، ما يستدعي الحكم على الفصائل الأخرى بالردة والخيانة، ووجوب القصاص منها قبل متابعة المعركة مع العدو الأصلي.
وما يراه معظم هؤلاء من إخلاص وزهد وبطولة وتفاني زملائهم يكفي عقولهم البسيطة، لنفي أي تهمة قد تصل إلى آذانهم، بل هي مبررات لإدانة خصومهم بأنهم يرمونهم بما ليس فيهم، بينما يتخفى المسيئون منهم، ولا تظهر جرائمهم إلا على الإنترنت، والتي لا يعرفها هؤلاء، وهذا ما يبقيهم بمنأى عن أي قابلية للنعرة والتفكير المضاد.

يروي ناشطون كثيرون تفاصيل محاولات لمناقشة قادة وأفراد داعش، وأنهم أحياناً كثيرة كانوا يصطدمون بأناس مخادعين، يتملصون من وعودهم، ويلجأون للكذب والمواربة. وبالعودة لما تقدم من إسقاط صفة الخوارج على داعش، فلا شك أن التاريخ قد يسعفنا بخطوط عريضة تفيد في السلوك الأنجع للتعاطي مع هذا النموذج الفريد من التطرف، المستند إلى خلفية دينية. والحل لا يمكن أن يكون إلا داخلياً، فالجهادي الذي يضحي بنفسه فداء لأفكاره لا يمكن أن يقمع بأي وسيلة كانت، فالقضاء عليه هو تحقيق لأمنيته، وهو متوقع لديه.

avata
avata
عثمان بيطار (سورية)
عثمان بيطار (سورية)