"خياط العرب".. رحلة من "برج البراجنة" إلى الدنمارك

"خياط العرب".. رحلة من "برج البراجنة" إلى الدنمارك

كوبنهاغن
ناصر السهلي
14 يوليو 2014
+ الخط -

لم يخطر ببال المواطن اللبناني غسان الأشوح أن يترك بيروت وأدوات عمله، ليصبح بعد اشتعال الحرب فيها عام 1986 باحثاً عن لقمة عيش. حمل ابنته ذات الستة أشهر وقرر مع زوجته الرحيل إلى الدنمارك. هنا لغة أخرى وتقاليد سوق عمل مختلفة بنظام ضرائب معقد، وروتين لم يعتده من قبل.

"لم يكن أمامي مخرج سوى البحث عن طريقة لاستمرار الحياة ومساعدة أهلي، وضعنا كان صعبا ولدي أخوة يدرسون في بلغاريا، ووضع بيروت في ذلك الوقت لم يكن سوى اشتباكات ومحاور"، يقول الأشوح.

ومثل كثيرين غيره حضروا من لبنان، حضرت آثار الحرب معهم. يبتسم اليوم وهو يتذكر أيامه الأولى في الدنمارك "تلك أيام عصيبة. لم أحضر من بيروت لأجلس منتظراً مساعدة مالية، كان هدفي أن أستمر بالعمل وأقوم بواجباتي تجاه أهلي. مررت بدورات لغة وتأهيل، وكنت أفكر في كيفية الانطلاق مرة أخرى. كان اللاجئون يتوافدون إلى الدنمارك، يؤثثون منازلهم، وفجأة صار البعض يسألني لماذا لا تحيك الستائر؟".

لم يكن قد تجاوز غسان الأشوح التاسعة من عمره حين مر بورشة خياطة في بيروت "مقاعد الدراسة لم تكن تستهويني"، يقول غسان اليوم، مسترجعاً رغبته في العمل اليدوي حين سأل أمه إن كان يستطيع تعلم المهنة.

في الصيف كانت بدايته مع "أبجديات القماش والمقص". يحدّث عن تلك الأيام وبريق الذاكرة تشاهده في عينيه "معلّمي كان له الفضل في وضعي على الطريق، هو من جعلني أثق بنفسي وبقدراتي على تعلم المهنة. اشتعلت الحرب اللبنانية وهجر معلمي المنطقة، فاتخذت عملاً آخر. كنت في الثانية عشرة من عمري حين حملت مسؤولية حياكة الجاكيت الأولى".

لغسان علاقة خاصة بالقماش، لا شيء يعيقه عن تنفيذ المطلوب، فالستائر لم تكن مهنته، لكن "الإنسان يتعلم دائماً"، على حد قوله.

خياط العرب

"كانت العائلات العربية تشتري القماش وتسألني إن كنت أستطيع حياكة الستائر لهم. بحثت عن آلات خياطة مستعملة، وبدأت طريقي في المنزل"، وصارت الزبائن تقصده بكثرة. يتابع: "لم أكن أعرف كثيراً عن قوانين العمل هنا، لكنني بالتأكيد لم أحضر إلى الدنمارك لتلقي المساعدات. توسعت علاقاتي الاجتماعية، وصار الناس يقصدونني من مدن مختلفة، بعضهم لا يستطيع دفع تكاليف اليد العاملة الدنماركية والبعض الآخر لديه مشكلة لغة وتواصل مع الخياطين لشرح ما يريدونه وأي ذوق يتحدثون عنه"، يضيف الأشوح.

قبل 15 سنة انتقل غسان من قبو منزله، حيث كان عمله يتوسع باحثاً له عن مكان آخر. قدم مشروعه للدنماركيين، شرح لهم أنه يملك خبرة وليس بحاجة لدراسة الخياطة كما تفترض قوانين العمل. يشرح: "عرضوا عليَ التقاعد المبكر، وأرادوني أن أجلس بلا عمل، باعتبار أن آثار الحرب النفسية كانت الشغل الشاغل حينها للمجتمع الدنماركي. رفضت الأمر وبقيت مصراً على افتتاح ورشتي الصغيرة الخاصة، وتجولت بحثاً عن أدوات العمل فاشتريت ماكينات مستخدمة في البداية".

الدنماركيون أطلقوا على غسان اسم " خياط العرب"، وهو الاسم الذي أقنعهم "بأني خياط، ولست هاوياً". يقول "خياط العرب": "زبائني ليسوا عرباً فحسب، العرب يقصدونني من مدن مختلفة، لكن لدي زبائن من كل الجنسيات. بعضهم يريد حياكة ملابس وبعضهم إصلاحها أو إجراء تعديلات عليها. في عصر صناعة الملابس السريعة لم يعد هناك الكثير من الخياطين في الدنمارك. لكنني متمسك بورشتي ومقصاتي، لذا لا أرفض أي طلب مهما كان غريباً من زبون أو زبونة. تأتيني أحياناً امرأة عربية تحمل حقيبة جلدية عزيزة عليها، تطلب إصلاحها، هي تعرف أنها لو ذهبت إلى ورشة دنماركية لطلبوا منها أن ترميها أو تكلفها ثمن حقيبة جديدة، لكنني أصلحها لها وأعيد إليها ابتسامة ذكريات ما مع تلك الحقيبة".

يرى "أبو علي" أن مهنته تركت أثراً إيجابيا على بيته "فقد شاهدني أولادي أعمل، لم أكن أجلس في البيت، بل أعمل يومياً ليكون أمامهم مثل آخر. أطالبهم دائماً أن يهتموا بالدراسة وألا يفكروا سوى في مستقبلهم. نحن جيل حرب، لكننا لا نريد توريثهم أمراض الحرب التي تشتت بسببها شمل كثيرين، وأثرت علينا. لكنني من ناحية أخرى أشعر برضا تام، فقد استطعت من خلال مواظبتي على عملي مساعدة أخوين في إتمام دراستهما الجامعية في بلغاريا. هذا أمر جيد، أن تشعر بأنك قمت بشيء في هذه الحياة ولم تكسرك ظروفها، لا حرب ولا هجرة وشتات".

الغربة بالنسبة لغسان الأشوح وغيره ممن عايشها لم تثنه وغيره عن البحث المستمر عن "تحقيق الذات وعدم الاستسلام" كما يقول بلغة بسيطة، مختتماً حديثه: "إذا ما جلست يوماً في البيت بدون عمل أشعر بالملل وكأن شيئاً ينقصني، عملي وسّع علاقاتي الاجتماعية ومعارفي بالمجتمع والناس".

دلالات

ذات صلة

الصورة
هجرة تونس (العربي الجديد)

مجتمع

نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس، ومركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية، اليوم الجمعة، ورشة عمل حول "الهجرة غير النظامية أبعادها الاجتماعية وسياقاتها الجيوسياسية". وتأتي هذه الورشة بمناسبة اليوم العالمي للهجرة، الموافق في 18 ديسمبر
الصورة
مهاجرون وصلوا إلى مليلة (كريستيان كالفو/ Getty)

مجتمع

جاء قرار الترحيل القسري في إسبانيا قاسياً على المهاجرين السريين التونسيين، ما دفعهم إلى الاحتجاج والإضراب عن الطعام، وقد أعلنوا رفضهم تنفيذه بعد كل ما عانوه من معاملة غير إنسانية
الصورة
تحول مخيم موريا إلى رماد (نيل فينستدت/ Getty)

مجتمع

حريق مخيم موريا في جزيرة ليسبوس اليونانية ليس حدثاً عابراً، كما يؤكد ناشطون، بل يرسم سياسة أوروبية مختلفة تسعى إلى بثّ الرعب في نفوس عابري ضفتي إيجه والبحر المتوسط من أنّ مصيرهم سيكون مشابهاً
الصورة

مجتمع

أعلنت وزارة الداخلية الإيطالية، في بيان، أمس الأربعاء، أنّ الأزمة الصحية والاقتصادية المرتبطة بفيروس كورونا، "تولّد تدفقاً استثنائيّاً للمهاجرين الاقتصاديين". ويصل عدد كبير من هؤلاء المهاجرين إلى جزيرة لامبيدوسا السياحية، تحت أنظار السبّاحين.

المساهمون