"خطيئة" كونتشالوفسكي: كلاسيكيّ مُذهل سينمائياً

16 ديسمبر 2019
الصورة
ألبرتو تيستون: أداء يُدرَّس (الملف الصحافي للفيلم)
+ الخط -
قدّم المخرج الروسي أندريه كونتشالوفسكي، في "خطيئة" (2019) ـ المعروض في الدورة الـ41 (20 ـ 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019) لـ"مهرجان القاهرة السينمائي الدولي" ـ عملا سينمائيا كبيرا عن النحّات والرسّام الإيطالي العبقري مايكل أنجلو، منطلقا ـ في كتابته الفيلم مع إلينا كيسليفا ـ من السؤال الفلسفي والسياسي حول العلاقة الإشكالية بين الفنان والسلطة عبر التاريخ.

علاقة حاول معالجتها سينمائيا، في سيناريو "أندريه روبليف" (1969)، كاتبا إياه مع أندره تاركوفسكي، الذي أخرجه وفق رؤية متقاربة بينهما لحياة رسّام الأيقونات الروسية المشهور روبليف (1360/ 1370 ـ 1427/ 1430)، واستغلال الكنيسة، المتشابكة مصالحها مع مصالح القيصر، عبقريته. هما لم يكتبا سيرة ذاتية تقليدية له، بل حاولا عرض المشهد التاريخي العام الذي عاش فيه، وشهد تحالفا منفعيا متينا بين أمراء روسيا في القرن الـ15 والكنيسة، على حياته وفنّه. أحدثت متطلبات ديمومة ذلك الترابط المنفعي انقلابات دراماتيكية مؤلمة.

في "خطيئة"، يبدو مايكل أنجلو (1475 ـ 1564) كأنّه يعيش المِحَن نفسها التي عاشها قبله الفنان الروسي. كأنّ حياته في فلورنسا، بداية القرن الـ16، تُحيي تاريخا من العلاقة الملتبسة بين الفنان والحاكم. علاقة جوهرها ثابت على مرّ العصور، المتغيّر فيها همّ الأشخاص. يتأمل كونتشالوفسكي عصر النهضة، والفترة التي عاش فيها مايكل أنجلو بوناروتي (أداء يُدرَّس لألبرتو تيستون) في فلورنسا وروما بعمق، مُقدِّما ـ بنقله إلى الشاشة مقاطع من حياة الفنان الإيطالي ـ تصوّرا لمرحلة تاريخية شديدة الأهمية، أحدثت انقلابات هائلة في أوروبا، وأثّرت على حياة فنانيها ومبدعيها. خلالها، أنجز العبقري الإيطالي تحفا فنية نادرة في النحت والرسم، تؤشّر إلى مرحلة ازدهار. مرحلة ربط حكّامها، تجارا ونبلاء وملوكا، حروبهم وطموحاتهم في التوسّع والهيمنة، برعاية خاصة للفنون والعمارة.



لا مجال للتقليل من شأن من ساعدوا على ازدهاره، بعرض الأسباب الحقيقية والدوافع الأنانية التي وراءها. هذا ما أثبته فلاسفة أوروبيون عند قراءتهم تاريخ قارتهم، وهذا ما تُجليه حياة مايكل أنجلو، الذي عاش تحت رحمة عوائل فلورنسية غنية، تتصارع فيما بينها، وتتسابق لتزيّن قصورها وكنائس مدنها برسومات وتماثيل، بالدرجة نفسها التي تتسابق فيها على استلاب الأراضي، واستعباد الفلّاحين والفقراء.

على جهد هؤلاء، بُنيت مدن إيطاليا في عصر التنوير. وعلى حساب كرامة فنانيها، زُيّنت قصور حكّامها وكنائسهم بأجمل اللوحات والجداريات. من هذا المنظور الواسع، عاين المخرج الروسي مرحلة من حياة الفنان الإيطالي، بأسلوب كلاسيكي مذهل في إتقانه السينمائي. نصّ "خطيئة" يلتفت إلى الإنسان الذي كانه مايكل أنجلو، المُحبّ للمال والملتوي والمخاتل، وحافظُ أشعار دانتي، والمُحاصَر بأولياء نِعمٍ قساة القلوب. كما يجسِّد حالة الفنان، الذي وجد نفسه تحت رحمة عائلتي ميديتشي وديلا روفيري، الثريتين والمتنافستين على الحكم والبابوية. تنافس بين "عشائر" بابوية، جعله كائنا خانعا. ينحت لمن له السطوة والمال، ويرسم ويُزيّن سقوف الكنائس والقصور حسب الطلب. يوازن مصالحه، وينحاز دائما، رغم ضعفه وإهماله لمظهره وصحّته، إلى الفنان الجميل الذي في داخله.

في اشتغالٍ سينمائي باهر، يستلهم الأسلوب الروسي في سرد الملاحم التاريخية، يرسم كونتشالوفسكي صورة الفنان في محنته، وفي تنازعه بين رغبة جامحة في إكمال نحت ضريح البابا يوليوس الثاني، وخضوعه لإرادة عائلة ميديتشي، وطلبها منه إنجاز مشروع جديد، ما يعني تأجيل ما بين يديه. ورغم الفقر الذي صار عليه، بعد عمل مرهق لأعوام على رسم سقف وجدران كنيسة "سيستين" في المجمع البابوي (بين عامي 1508 و1512)، وضغوط المشروع الجديد، ظلّ مهووسا بفكرة بناء الضريح. تنازل وكذب كثيرا لتحقيق ذلك، وراوغ بين القوّتين، وقرّر المضي بمشروعه عبر صفقة عقدها مع عائلة ديلا روفيري، تضمن له الحصول على صخور المرمر من منطقة كرارا، بضمانة حصوله على حقّ استثمارها تجاريا لصالحه. أراد نحت ضريح له وسط مقبرة رخامية، من صخرة واحدة عملاقة. تصوّرها "وحشا"، والمقبرة الرخامية المنتظرة تكمن داخلها.

من ذلك التنازع، تأسّست نقطة ارتكاز درامية، منها يمكن المرور والانفتاح على مديات أوسع من ضيق العيش في القصور والكنائس. في بحثه عن الصخرة "الوحش" في كرارا، يقابل الفنان عالما سويا. يلتقي عمّالا أشداء، يقلعون صخور المرمر من جبال شاهقة. إيطاليون عاديون، يعيشون حياة مختلفة كليا عن تلك التي يعيشها أغنياء مدن عصر النهضة، المهووسون بالمال والمجد. يُطيل مكوثه هناك، كأنّه بمعاشرتهم يشفي روحه من قروحها، ويخلّصها من خطاياها.

تتشعّب الدروب من الجبال إلى أحياء روما، البائسة والجائعة. من مشهديات المقالع العالية، القريبة من سماء منفتحة، إلى سواد أزقّة ودروب موحلة، تتنقّل الكاميرا (المصوّر الرائع ألكسندر سيمونوف)، وتلتقط التفاصيل المعبّرة عن حال مدن النهضة الإيطالية، هو الشاهد اليقظ على حالها. يتوجّع وهو يراقبها بصمت، ويحزن لمصيره وقدَره الذي وضعه تحت رحمة أثرياء روما وفلورنسا. في كلّ خطوة وقرار يتّخذه للحفاظ على حياته، يجد نفسه وحيدا، ويواجه قدره لوحده. لا يأتمن المحيطين به، فحتّى عائلته استغلّته وسرقت ماله. لا أحد يكترث بما يفكر ولا بما يشعر. انفعالاته داخلية، يعبّر عنها بضربات إزميل تُحيل الحجر إلى لسان يكاد ينطق.



لا يعطي مايكل أنجلو لمنجزه الفني وقتا كثيرا، فيذهب أندريه كونتشالوفسكي إلى العالم المتآمِر والمتصارع الذي يحيطه، جاعلا منه كائنا قلقا متواطئا، لا يرى براءة إلا في عمّال المقالع الحجرية. هناك، يعرف كيف تصنع المرأة سعادتها الحقيقية، وتدفع ثمن حريتها غاليا. مشهد ذبح شاب وفتاة من كرارا ليلة زفافهما، لأنّها حملت منه قبل إعلان زواجهما كنسيا، مُذهلٌ في تنفيذه وقسوته، وفاضح لفترة طغت فيها فظاعات محاكم التفتيش على مشهد واسع من تاريخ أوروبا. يُطيل صاحب التحف السينمائية زمن مَشاهد نقل الصخور من أعالي الجبل إلى أسفله، لينقل معها عذابات حامليها، وموت بعضهم سحقا تحت ثقلها. فمجد عظماء إيطاليا شُيِّد على أجساد نازفة، وعلى مواهب فنانين يُجبَرون على إنجاز ما كانوا يريدون.

"خطيئة" فيلمٌ كبير عن فنان عظيم، عاش عصرا تنويريا جمع، بغرابة، بين القسوة والإبداع.

المساهمون