"خذني إلى مكان ما حلو": خواء بوسني

06 سبتمبر 2019
الصورة
"خذني إلى مكان ما حلو": الخلاص المنشود (فيسبوك)
البوسنة خاوية. مُتبلِّدة المشاعر. منسية، بعد خسرانها مظلوميّتها. هكذا تراها أِنَا سنديارَفيتش بعين بطلتها آلما (سارا لونا زوريتش)، التي رمتها في المكان نفسه الذي جاءت هي منه، وتركتها تكتشف "بلقانيّتها" لوحدها، بعد تَشبّع طويل بـ"هولنديّةٍ"، شعرَتْ أنّ الوقت حان لفكاكٍ مؤقت منها، وللذهاب إلى مكانٍ آخر، لاختبار تجارب أخرى فيه. 

في "خذني إلى مكان ما حلو" (2019) ـ الفائز بجائزة "قلب سراييفو" لأفضل فيلم روائي طويل، في الدورة الـ25 لـ"مهرجان سراييفو السينمائي الدولي"، المُقامة بين 16 و23 أغسطس/ آب 2019، وهو الروائي الطويل الأول لسنديارَفيتش ـ أرادت المخرجة قول أشياء كثيرة دفعة واحدة. تلك الرغبة ـ قاتلة أعمالٍ واعدة كثيرة، تُضيّع بوصلتها عادة لغزارة ما يُراد ضخّه في متنٍ لا يحتمل ثقلها ـ شذّ عنها نصّها بكتابة "أصيلة"، تتّخذ من الحوار المكثّف ممرًّا لتفريغ أفكارها المزدحمة عن بلدها، تاركة لقصّة الشابة أنْ تأخذ طريقًا سينمائيًة مشذّبة من الرطانة، تواجه فيها رتابة "البحث عن الهوية"، باللامنطقي والغرائبي أحيانًا.

في المشهد الافتتاحي، تظهر والدة آلما في شقّتها وهي تلقّنها وتدرّبها على نطق بعض الجمل باللغة البوسنية، لتُعيِنها على التفاهم والتواصل مع والدها المريض، الذي لم تلتقِ به منذ أن تركها رضيعة مع والدتها. مشهدٌ فيه من الغرابة ما يكفي لفهم طريقة البوسنية سنديارَفيتش في التعبير عن "خفّة" سائدة. والخفّة عنوان مستنْبَط من متن نص فائض بها، تلازم مسارات رحلة الشابّة إلى موطنها الأصلي. هناك، في سراييفو، تكاد الجدّية تغيب عن سلوك ابن عمها أمير (أرناد برنيافوراتش)، الذي يُفترض به أن يستقبلها، ويُقدّم ما تحتاج إليه، في مدينة غريبة، يسودها فقر روحي، يُنتج برودة في التعامل مع الآخر.

مكان يفتقر إلى الحميمية. سلوك ابن العم المتعجرف يعكس موقفًا عدائيًا، مُبطّنًا وعامًا، إزاء الذين تركوا البلد، أو نجحوا في الوصول إلى مكان كانوا يتمنّون هم الوصول إليه. هذا ما التفت اليه الروائي التشيكي ميلان كونديرا، الذي عبّر عن أدقّ تفاصيله في رواية "الجهل" (ترجمة رفعت عطفة، دار "المركز الثقافي العربي"، 2000). الجُمل القصيرة المتَبَادلة بينهما تشي بعدائية خاطئة الهدف. فآلما نفسها هي نتاج تفكّكٍ أحدثته حرب البلقان.



إليهما، انضمّ صديقه دنيس (لازار دراغويفيتش). في هذه الحالة، يسري المتوقّع: علاقات عاطفية بين 3 أطراف، تعطي الفيلم حيوية شبابية، وجرعة من الرومانسية. لكن "المثلث" هذا، في فيلم سنديارَفيتش، غير متساوي الأضلاع، فهو متخلخل إلى درجة تبدو أطرافه كلّها كأنها مشدودة إلى فراغ، تعيش خواءً روحيًّا ووجوديًا. كائنات ضعيفة الصلة بالمكان، والأخير ـ على فقره ـ يلفظ الجميع.

تبدو البوسنة، في "خذني إلى مكان ما حلو"، مدينة أسطورية أكثر منها مدينة شرق أوروبية. مدينة تعاني العزلة والإهمال. خلال الحرب، وما بعدها بقليل، كان فيها ما يجمع الناس ويوحّدهم. مع الوقت، عادت إلى طبيعتها، فبدت كما هي: مدينة معتمدة على الغير، تنتظر من روسيا وأوروبا الغربية وأميركا مساعدتها، أو أن يأخذها أحدهم في رحلة مجانية إلى مكان حلو، تمامًا كما آلما، التي تريد من الآخرين أن ينقلوها إلى مكان حلو غير هولندا، بينما الآخرون في موطنها "الأم" ينتظرون منها أن تأخذهم إلى حيت تُقيم. يصف أمير صديقه، بعد كشف ميله العاطفي نحو ابنة عمّه، بأنّه "مخاتل لا يرى فيها أكثر من جواز سفر".

مفارقة المعاني، تُرك أمر تجسيدها لكاميرا أمو فيمهوف. أعطيت لها حرية كافية لنقل التناقض الموجود بين جماليات طبيعة، وبرودة علاقات، وفظاظة تعامل. لا يرى سكان المدينة في الآخر القادم إليها أكثر من "مشروع". كاميرا الـ"ديجتال" تأخذ راحتها في نقل الجمال السطحي الباهت للمكان، بفعل برودة قاطنيه. ليس هناك عمق تعجز عن نقله بعدساتها. سطحية الملتَقَط من الشخوص والسلوك تكفيها. خلال أيام عديدة على وصولها، لم تستبدل آلما ملابسها. كانت تغسلها يوميًا، تُنشّفها ثم ترتديها مجدّدًا. تنورة "تنس"، تشي برغبة في تعويض المتانة والتماسك الداخلي بإغواء جسدي غير معلن. خفّة الجسد تغري بكسر حاجز البرود العاطفي، وتغطي به الشابة، حائرة الانتماء، فراغًا تريد ردمه بوهم التواصل الإنساني مع الأب.

هذا لن يحصل، فوالدها رحل إلى عالم الأموات، ولن تتاح لها فرصة مقابلته. بدلاً من ذلك، ستعثر في طريقها إليه على حقيبة سفر، تجد فيها مخدرات، تبيعها وتتقاسم ثمنها مع طرفي المثلث. لامنطقية الأحداث، واحتمال حدوث كلّ شيء، يراد بهما، دراميًا، تعزيز عبثية ولامنطقية العيش في البوسنة اليوم. السياسي، "راعي الأجراس" كما يُسمّي نفسه، لا يزال كما هو، بين زمنين. يستغلّ منصبه، ويعاشر الجميلات، ويغدق الوعود بمستقبل أفضل. السياسي جاء إلى المشهد العام عبر إغواء الشابة، في مساءٍ موحش.

تترك أِنَا سنديارَفيتش (كاتبة السيناريو أيضًا)، في نصّها الغرائبي الموغل في توحشّه الداخلي، فسحة لأطراف المثلث للتعبير عن بعض ما يخفون من صدق مشاعر. تلك الفسحة تخفّف حدّة وسوداوية رؤية سينمائية لمجتمع وبلد عاجزين عن الوقوف على قدميهما. بعد خسارتها التعاطف، المحتاجة إليه، باتت تحتاج اليوم إلى من يهزّها بعنفٍ ليعيدها إلى رشدها، ولتُدرك حقيقة ما يجري حولها.

تلك النظرة القاسية للبلد أريد لها أن تُقدّم بأسلوبٍ، فيه من العبث والخفّة ما يتناسب مع واقعه. في العنوان، "خذني إلى مكان ما حلو"، توَسّل أكثر منه دعوة إلى مراجعة الذات. فالحرب نهشت قسمًا كبيرًا من روحها، وفترة السلم زادت من عزلتها، ومن ميل أهلها إلى فردانية انتحارية وغير مجدية. موت الأب والمشهد الأخير يجسّدان ذلك الفقر الروحي والخواء الموحش.

على الساحل، في مكان سياحي يريدون صرف ما حصلوا عليه من مال، يتعرّض دنيس لهجوم وحشي من رجالٍ غرباء، يتركونه بين الموت والحياة، بينما تهرب هي منهم إلى البحر. هل انتهت رحلتها الموعودة في اليَمّ؟ رحلتها كناية عن سِفْر، كتبتْ فيه فصول عن البوسنة والهاربين منها، وعن حالة المقيمين فيها، المُصابين بحالة انعدام وزن عام. يعومون في فضاء جغرافية أوروبية من دون إحساس بانتماء حقيقي إليها.

أليس هذا حال آلما وغيرها من أبناء البلقان، بعد حربها الضروس؟