"خادمات سيّدات"

"خادمات سيّدات"

23 أكتوبر 2018
الصورة

من معرض صور "خادمات سيدات"

+ الخط -
أوّل ما تأخذك إليه فكرة معرض "Maidames" أو "خادمات – سيّدات" (غاليري "أجيال" في بيروت حتى العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل) للتشكيلية والكاتبة اللبنانية، شذا شرف الدين، هو مسرحية "الخادمتان" للكاتب المعروف جان جينيه. تحكي المسرحية مغامرات الأختين كلير وصولانج، اللتين تتنازعهما الشهوة والحسد والحنق والحقد تجاه سيّدتهما، فنراهما وقد سلّمتا عشيقها إلى الشرطة، من خلال فبركة تهمةٍ ملفقة له، وبدأتا تخطّطان لقتلها خوفا من اكتشافها الأمر. يدور الجزء الأكبر من المسرحية في غرفة نوم السيدة وفي غيابها، بعد أن استولت الأختان عليها، فعبثتا بأغراض هذي الأخيرة، وارتدتا ثيابها، وتقمّصتا شخصيتها.. في النهاية، لا تتناول "مدام" فنجان البابونج المسموم الذي تقدّمانه لها، فتشربه كلير وهي تؤدّي دور السيدة، كأنها بإقدامها على قتل نفسها قد عمدت رمزيا إلى قتل السيدة...
ما يقترحه جينيه مسرحيا تقاربه شذا شرف الدين واقعيا وفوتوغرافيا، فنراها وقد اختارت عشر خادماتٍ من بلدان مختلفة (إثيوبيا وبنغلادش وسريلانكا والفيليبين) تمدّ لبنان بعاملاتٍ أجنبياتٍ مرصودات للخدمة في المنازل، لتمسرحهنّ في دور "سيدة" تجسّد في نظرهنّ مراما، توقا، صورةً يسعين إليها وتمثّل بالنسبة إليهن مثالا.
تمسرح شرف الدين بطلاتها العشر مختلفات الأعمار، وتموضعهن في ديكورٍ هو أشبه بمشهد صغير فوق خشبةٍ تتضافر كل عناصرها لدعم بطلته في لحظة ذروة، هي التي ستنظر فيها "سيّدةُ" الصورة إلى العدسة، ثم اللحظة التي تصادف نظرتُها نظراتنا كمشاهدين، في لعبةٍ ندّية، لا وجود فيها لتمايزاتٍ اجتماعيةٍ أو طبقية. هكذا، ثمّة حوار يعقده المعرضُ مباشرة، بين الناظر إلى الماثلات في الصور بأزيائهن الظاهرة التي ليست لهنّ، ثم بأزيائهن الخفية التي نُلبسها نحن لهنّ، ثم بكيانهنّ الذي خلف الطبقتين، الأولى والثانية، أي ذاك الملاصق لجلدهن، ولا ندرك عنه سوى اليسير. وبهذا، فإن صور شرف الدين تجعلنا نتساءل: ما الذي ينقصهنّ فعلا ليكنّ ما تظهرهنّ الصورُ عليه، إن لم يكن عطبٌ ما في العالم، وسوء توزيع ثروات، وهيمنة قويّ على ضعيف، وثريّ على معوز، واستغلال يد عاملة فقيرة، واتجار بالبشر، إلخ.
بعد أن التقت شذا بالنساء العشر، وتعرّفت إليهن جيدا، أقنعتهن بأن يتصوّرن كما يحببن أو يحلمن أن يكنّ. والنتيجة مدهشة فعلا، إذ تريك كم أنهن نساء هذا العصر ومواطنات هذا العالم، وذلك على الرغم من كل محاولات إقصائهن، وعزلهن، وكيف أنهن، باختيارهن نماذج لنساء حاضرات، قويات، مختلفات ومميزات، يُظهرن احتمال النموذج النسويّ نفسه، كامناً فيهن.
فنادين مثلا أرادت لنفسها أن تكون شهرزاد، في حين اختارت فيرا أن تكون في وضعية "السيدة الأولى" (جاكلين كينيدي) وهيأتها. رأت ميلاني نفسها سيدة أرستقراطية في صالونات أحد القصور، كوماريا ظهرت في ثوب السيدة العذراء في أثناء صعودها إلى السماء، وبروكتايت جسّدت في صورتين الممثلة الأسطورية، مرلين ديتريش، في إحدى أشهر وضعياتها. أيضا، لا يغيب حلم العروس أو النجومية أو الأرستقراطية عمن ترتدي ثوب زفاف، أو عن "فيرا بالأحمر" الشبيهة بنجمة جاز أميركية، و"نادين بالأزهار" و"روبي بالقبعة" و"ميلاني بالفرو الأبيض"، إلخ، من دون أن ننسى الصورة – التحفة حيث قرّرت هانا أن تكون "الفتاة ذات القرط اللؤلؤي" (لوحة شهيرة للرسام الهولندي فيرمير، 1665).
أشياء كثيرة تستثيرها فينا هذه الصور التي تجمع التصوير والطباعة بالحبر على قماش الكانفا المخصّص للرسم، بجماليتها الأخّاذة تصنعها رهافةُ التفاصيل واختيار الديكور والملابس والإضاءة والوضعية، وهي جمالية ستتراجع، في لحظةٍ ما، حين تستدعي في مخيّلتنا نقيضَها الواقعيّ المصنوعَ من بؤس وشقاء وانعدام أفق.
وبذا، ربما تفترق شذا شرف الدين عن جان جينيه في مقاربتها الموضوع إياه. فحيث تغيب القسوة والعنف وسوداوية النظرة التي تميّز "الخادمتان"، نراها تعود لتظهر في معرض Maidames، إنما في ما تستدعيه لدينا من مخزونٍ هائلٍ راكمته صورُ التجربة والواقع البائس.