"حمام زاجل" على أرصفة العراق

07 أكتوبر 2017
الصورة
كتب مستعملة تنتظر من يشتريها (العربي الجديد)
+ الخط -
يقبل العراقيون على شراء الكتب المستعملة. من هنا، يعمل البعض على تتبّع أصحاب المكتبات ومصادقتهم، علّ هؤلاء يقتنعون ببيع كتبهم في وقت لاحق

في العراق، يُقبل كثيرون على شراء الكتب المستعملة. على أحد الأرصفة في شارع الرشيد وسط العاصمة بغداد، أكثر من ألف كتاب معروض، علماً بأن تلك الأحدث كانت قد طبعت في ثمانينيات القرن الماضي، وتتنوع بين كتب شعر وروايات وسياسة واقتصاد ودين وغيرها. صالح الشيخلي (62 عاماً) هو أحد العاملين في مجال بيع الكتب. يشبّه كتبه بالحمام الزاجل، إذ إنه يسترجع بعضها بعد بيعها. يقول لـ "العربي الجديد" إنه لم يغادر عالم الكتب منذ عرفه، هو الذي عمل في مطابع ودور نشر ومكتبات مذ كان في الحادية والعشرين من عمره. يوضح أن بعض الأشخاص يعتقدون أنه لا قيمة للكتب المستعملة، مؤكداً أنها "قيّمة جداً".

يطلق العراقيون على الكتب التي كانت ملكاً لآخرين "كتباً مستعملة"، ويوضح صالح أن هذه الكتب تباع من شخص إلى آخر بعد قراءتها. يلفت إلى أنه يعاود أحياناً شراء الكتب التي كان قد باعها، ليبيعها مجدداً. من جهة أخرى، يلفت إلى أن قارئ اليوم يختلف عن قارئ الأمس "حالياً، يفضل الشخص القراءة وليس الاقتناء، ويفكّر بطريقة عملية، ويعمد إلى بيع الكتاب بعد قراءته بسعر أقل، ليشتري كتباً جديدة بسعر زهيد".

تعدّ المكتبات الشخصية مكسباً مهمّاً للعاملين في مجال الكتب المستعملة. وهؤلاء يبحثون عن هواة اقتناء الكتب، ويسألون عن أوضاعهم الاقتصادية، وإذا ما توفوا لشراء الكتب من الورثة.
يقول سعد البياتي (41 عاماً)، والذي يعمل في تجارة الكتب، إنّ عمله يفرض عليه الانخراط في الأوساط الثقافية، وبناء علاقات مع العاملين في هذا المجال، سواء أكان بائعاً بسيطاً أم تاجراً معروفاً. يضيف في حديثه مع "العربي الجديد" أنه نجح في شراء أكثر من مائة مكتبة خاصة وبيع كتبها. "لدي خبرة كبيرة بالكتب، وأستطيع تقييم مستوى مكتبة ما من خلال هوية صاحبها. على سبيل المثال، فإن كتباً يملكها أستاذ جامعي متخصص بالأدب العربي لن تكون أغلى من مكتبة أستاذ جامعي متخصص بالآثار".

يولي البياتي اهتماماً كبيراً بالكتب المستعملة، لكنّه يعمل بشكل أساسي في تجارة الكتب، حتى الجديدة منها. يقول إن "للكتب المستعملة سوقاً جيدة، ودائماً ما أبحث عن مكتبات شخصية قديمة يرغب أصحابها في بيعها". يضيف: "أعرف أشخاصاً يملكون مكتبات خاصة ضخمة في بيوتهم أو مكاتبهم، وأقترح عليهم بيع مكتباتهم. أحرص على التعرف عليهم وبناء علاقات قوية معهم". ويشير إلى أنّ التعرف على صاحب المكتبة وعائلته يضمن له شراء المكتبة لاحقاً، خصوصاً إذا ما ورثها آخرون.

ويمكن للراغبين إيجاد الكتب المستعملة في المكتبات أو على الأرصفة. تقول الباحثة الاجتماعية، لينا حسن، لـ "العربي الجديد" إنها تملك نسخة من كتاب "وعاظ السلاطين" لعلي الوردي، بطبعة حديثة. وأثناء بحثها عن كتب أخرى ضمن تلك المستعملة، وجدت طبعة قديمة من الكتاب نفسه الذي تملكه. وحين تفحصته، رأت إهداءً بقلم علي الوردي. "فرحت كثيراً واشتريت الكتاب الذي أعتبره من أغلى الكتب بسبب الإهداء الخاص، رغم أنني اشتريته بأربعة آلاف دينار (نحو 3 دولارات)، وهو سعر زهيد".

لا يكترث محبّو المطالعة بكون الكتب جديدة. يقول إبراهيم السعدي، وهو أستاذ جامعي متقاعد، إنّه كتب عشرات الأبحاث خلال مسيرته العلمية، وكان يشتري الكتب المستعملة في أحيان كثيرة. يضيف لـ "العربي الجديد" أنه كان يحث عدداً كبيراً من الباحثين وطلاب الجامعات على البحث عن مصادر لأبحاثهم في الكتب المستعملة "وجدتُ الكثير من الكتب المهمة والقيمة على الأرصفة".

وإذ يعمد البعض في الوقت الحالي إلى قراءة الكتب إلكترونياً، ما زال آخرون يجدون متعة في الكتاب الورقي، والتي لا يمكن تعويضها إلكترونياً. يقول زهير راضي (39 عاماً)، لـ "العربي الجديد"، إنّه يعشق رائحة أوراق الكتب القديمة، وهذا ما يجعله يقضي وقتاً في البحث عن كتب قديمة وشرائها.

بدوره، يقول صديقه أمجد الشهيلي إن "للكتاب قدسية، ويكفيني أنني أعمل نحو 8 ساعات في اليوم على جهاز الكمبيوتر، وهذا أمر غير صحي. لذلك، أحرص على قراءة كتاب ورقي". يتفق الشابان على أنه لدى باعة الكتب المستعملة ما هو مثير للقراءة. ويذكر راضي أنه اشترى مجلات قديمة تحتوي على مقالات لكتّاب رحلوا عن هذا العالم، وقصص تعكس بعضاً من تاريخ العراق.