"جواسيس الداخلية": سيف النظام المصري المسلط على رقاب المعارضين

11 ابريل 2015
الصورة
الجواسيس يقومون بعملهم بحماية من القوات الأمنية (فرانس برس)
+ الخط -

"جواسيس الداخلية" مصطلح استخدمه المعارضون للنظام المصري الحالي، لوصف أشخاص متعاونين مع قوات الأمن بغرض القبض عليهم. وتعتمد وزارة الداخلية في الأساس على مجموعة من الأشخاص الذين يحظون لدى الأجهزة الأمنية بدرجة عالية من المصداقية، في القبض على المعارضين للنظام.

هذه الظاهرة بدأت في التوسع والانتشار بشكل كبير عقب الانقلاب على الرئيس المعزول محمد مرسي، في 3 يوليو/تموز 2013، حتى بات أغلب المتضررين من هؤلاء الأشخاص، يلقبونهم بـ"الجواسيس".

ويعتمد هؤلاء "الجواسيس" في عملهم على مراقبة ورصد تحركات أبناء كل منطقة موجودين فيها، لمعرفة من يرفض النظام الحالي ويعمل ضده، وهل ينزل للتظاهر أم لا، بالإضافة لمعلومات دقيقة عن المعارضين.

ويجمع "الجواسيس" المعلومات التي يحصلون عليها في ورقة، تحتوي على الأسماء ويلقبونها بـ"القائمة" أو "القائمة السوداء"، ولا يشعر هؤلاء بالحرج من التفاخر بالتعاون مع الأجهزة الأمنية. وأغلب هؤلاء من "الحزب الوطني" المنحل، ويقومون بأفعالهم التي تُعتبر مثار استهجان واستياء من قبل سكان كل منطقة يعملون فيها، بحماية من الأجهزة الأمنية بشكل واضح وصريح.

ولم يسلم من إيذاء هؤلاء "الجواسيس"، كل من يواجه مشكلة شخصية سابقة معهم، فيما لم يقتصر دورهم على هذا الحد، بل يشاركون في حملات القبض على المعارضين وإرشاد قوات الأمن لمنازل الرافضين للنظام الحالي.

وقالت زوجة شاب معتقل يدعى محمد، إنه ألقي القبض عليه من مكان عمله في قرية أخرى غير تلك التي يسكن فيها، وذلك بعد تقصّي "الجواسيس" عنه. وأضافت أن هؤلاء لا يعرفون زوجها وحاولوا التواصل مع أحد المقربين منه للحصول على هاتفه، مدعين أنهم يريدونه في عمل خاص بهم.

وتابعت في حديثها لـ"العربي الجديد": "بالفعل وبنيّة صادقة من أحد المقربين منه أعطاهم رقم هاتفه، ومن ثم اتصلوا به، لمعرفة مكانه تحديداً لأنهم سيذهبون إليه للتحدث عن عمل معهم". وأوضحت أن زوجها تواصل معهم وكشف عن مكان عمله، من دون أن يخطر في باله أنهم نصبوا كميناً له بمعرفة قوات الأمن، وقاموا بإلقاء القبض عليه ما أن وصل إلى قريته، ثم إحالته إلى قسم الشرطة للتحقيق معه، واتهامه بعدة تهم معروفة تستخدم ضد المعارضين للنظام، بحسب الزوجة.

وأشارت إلى أنه مكث في قسم الشرطة عدة أيام وسط تعذيب وإهانات، قبل عرضه على النيابة للتحقيق معه في الاتهامات الموجهة إليه، وترحيله إلى سجن طره. وأكدت أن "الجواسيس" كانت لديهم قائمة ببعض الأسماء من شباب القرية، قاموا بتجميعها بأنفسهم ولم يحصلوا عليها من قبل الأجهزة الأمنية، مشيرة إلى أن "الجواسيس" كانوا يتابعون هؤلاء الشباب في قائمتهم عن كثب من حيث مكان تواجدهم طوال النهار والليل، وموقع عملهم سواء داخل القرية أو خارجها، ومتى يخرجون للتظاهرات.

وأردفت أن زوجها كان يخرج في تظاهرات معارضة، ورفضاً للظلم والاعتقالات العشوائية وضد المستوى المعيشي المتدني، مشددة على أنه لم يكن منتمياً لجماعة "الإخوان المسلمين" أو غيرها من الجماعات والأحزاب.

اقرأ أيضاً: أحزاب مصرية تندد بسيطرة الأجهزة الأمنية على مقاليد السياسة

ولم تقتصر تفاصيل القصة عند هذا الحد، بل أصابت والد الشاب حالة من الهلع والمرض الشديدين، وهو ما دفعه إلى اتهام من أعطى هؤلاء الأشخاص رقم هاتف نجله وأوقعوا به، وهو ما دفعه لإنكار ذلك والبوح بأسماء "الجواسيس". وما كان إلا وانتشرت قصة الشاب في القرية بأسماء الذين أسهموا في القبض عليه بالتعاون مع قوات الشرطة. ومع انتشار الواقعة وبدء حديث الناس في القرية عن هؤلاء "الجواسيس"، لجأوا إلى ضباط الشرطة ممن يعملون معهم وطالبوهم بالتدخل.

وأرسل قسم الشرطة، بشكل غير رسمي، في استدعاء الشخص الذي ذكر أسماء هؤلاء "الجواسيس" عند اتهامه بالمساعدة في القبض على الشاب، وقالوا له: "أنت بتقول على أسماء رجالتنا في البلد؟". ومكث هذا الرجل في قسم الشرطة يومين، تناوب رجال الأمن في قسم الشرطة على تعذيبه وضربه، حتى لا يتحدث عن هؤلاء "الجواسيس" في القرية مرة أخرى.

واقعة أخرى كشف عنها أحد الذين تضرروا من هؤلاء، وروى الشاب الذي أكد أنه لم يكن يوماً منتمياً لجماعة "الإخوان المسلمين"، أنه خرج في تظاهرات رافضة للانقلاب على مرسي، لأنه مقتنع تماماً بأن ما حدث في 30 يونيو/حزيران انقلاب على الشرعية.

وأضاف في حديث لـ"العربي الجديد" أنه ظل يخرج في تظاهرات لعدة أشهر بعد عزل مرسي، ولكنه اتجه إلى الانشغال في عمله الخاصة، متخلياً عن الاهتمام بالأوضاع السياسية، لإدراكه أن الأمور سيئة للغاية. وتابع: "بضعة أشهر لم أخرج خلالها في تظاهرات ولم أتحدث في السياسة، ولكني فوجئت بمحاولة بعض الأشخاص المعروفين في المنطقة السكنية بأنهم يعملون مع الأمن يسألون عني".

وأشار الشاب إلى أن هؤلاء الأشخاص كانوا دائماً يرددون في الحي السكني أن معهم قائمة بأسماء "الإخوان" والمتعاطفين معهم، مع التهديد والوعيد لهم جميعاً، وهذه المعلومات ذكرها هؤلاء "الجواسيس" علناً في جلساتهم الخاصة والعامة. وأكد أنه في يوم من الأيام حاول هؤلاء الاستفسار عن مكان عمله، ومع عدم معرفة كثير من أبناء الحي السكني، توجّهوا إلى سؤال والدته التي نفت معرفتها بالمكان تحديداً. وأنقذ الشاب من الاعتقال، نفي والدته معرفة محل عمله، لأنها كانت تعلم جيداً أنهم "جواسيس".

الحادثتان السابقتان، ليستا بعيدتين عن حالة شاعر مصري في منطقة شبرا في محافظة القاهرة. فبينما كان هذا الشاعر وعائلته يستعد للنوم، إذا بطرْق على باب الشقة يعقبه كسر له. فوجئ الجميع بهذا المنظر، وتبين أن قوات الأمن المدججة بالسلاح موجودة في الشقة.

لم يكن الرجل متهماً في قضية أو مطلوباً أمنياً لحمله السلاح في مواجهة الشرطة أو المشاركة في تظاهرات رافضة للانقلاب، أو زرع عبوات ناسفة مثلاً، ولكن كل جريمته التي استدعت التعامل معه بهذه الطريقة والاعتداء على حرمة منزله، خلاف مع أحد "الجواسيس".

وحاولت قوات الأمن اعتقاله ولكنه رفض، وحاولت الاعتداء عليه ولكنه تمكن من جذب بندقية من أحد رجال الأمن وأطلق أعيرة نارية في الهواء، سرعان ما ردت عليه قوات الأمن. وقامت قوات الأمن بإطلاق النيران عليه عقب احتمائه في إحدى غرف الشقة، ولكنه تمكن من الهروب والقفز من شرفة الغرفة.

وألقت قوات الأمن على زوجته وطفله وأحد أبنائه من الشباب، وأصيب ابن آخر له بطلق ناري في القدم، نقل إلى المستشفى على إثرها. وبات هو مشرداً متنقلاً بين الفنادق الصغيرة بعيداً عن منطقة شبرا، وزوجته وطفلها وأحد أبنائه في قسم الشرطة، وآخر في المستشفى لتلقّي العلاج، بسبب خلاف شخصي، لأنه قدم أشعاراً تمجّد ثورة 25 يناير.

اقرأ أيضاً: أهالي سيناء يدفعون ثمن صراع الجيش المصري و"الولاية"

المساهمون