"جبهات الإنقاذ" التخريبية من الجزائر إلى تونس

20 يونيو 2020
الصورة
+ الخط -
أحيت ما تسمى جبهة الإنقاذ الوطني في تونس، والتي دعت إلى التظاهر أخيرا ضد البرلمان التونسي المنتخب، وحظيت بتغطية إعلامية واسعة من قنوات معلومة الأغراض، في محاولة منها لإطاحته، ومعه التجربة الديمقراطية التونسية، أحيت فكرة "جبهات الإنقاذ" العربية التخريبية، التي أثبتت، في تاريخ طويل من الانقلابات الممنهجة ضد إرادة الشعوب العربية، أنها تتخذ الأساليب نفسها في التحرّك، وتأخذ الأوامر من الجهات نفسها التي دأبت على كبح جماح الحريات في أوطاننا العربية، منذ عقود طويلة.
يحدّثنا التاريخ أن أول تجربة ديمقراطية حديثة في عالمنا العربي كانت في بداية التسعينيات في الجزائر، وقتها فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالأغلبية الساحقة (82%)، في أول انتخابات تشريعية ديمقراطية في البلاد منذ استقلال البلاد (26 ديسمبر/ كانون الأول 1991)، بعد أكثر من ربع قرن من حكم الحزب الواحد، واحتلّ فيها الحزب الحاكم وقتها جبهة التحرير الوطني المرتبة الثالثة وراء حزب القوى الاشتراكية، غير أن قوى الثورة المضادّة التي فرّخت في الجزائر مبكرا، سارعت إلى تشكيل ما سميت وقتها لجنة إنقاذ الجزائر، وقد كان لافتا وقتها طرح السؤال المحير: كيف أمكن تشكيل "لجنة لإنقاذ الجزائر" من جبهة الإنقاذ التي انتخبها الشعب الجزائري؟ قبل أن تأتي بعدها الإجابات الصاعقة ممهورة بدماء عشرات آلاف من الجزائريين.
تمكّنت لجنة إنقاذ الجزائر وقتها بتحريك من جنرالات البلاد الذين كانوا مرتبطين عضويا 
بالاستعمار وامتدادا طبيعيا له، أن تجمع حولها القوى الاستئصالية من تيارات اليسار المتطرّف والليبراليين الحاقدين على ثوابت الأمة، ليكونوا رأس حربةٍ تطعن التجربة الديمقراطية الجزائرية الناشئة، وبالتالي الجناح المدني للانقلاب العسكري الذي وقع في ليلة (11 /12 يناير/ كانون الثاني 1992) على الإرادة الشعبية، وإجبار الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة، وتشكيل هيئة انقلابية تحت اسم "المجلس الأعلى للدولة"، ما أدّى، في ما بعد، إلى مآسٍ رهيبة، تكفلت خلالها لجنة إنقاذ الجزائر، وأذرعها السياسية والإعلامية، بمهمة التبرير الواسعة لعمليات القتل والتصفية لأكثر من مائتي ألف جزائري، وإرسال آلاف الجزائريين بالشبهة وفي ظروف غير إنسانية إلى "محتشدات" الصحراء في رقان وعين أمقل (أجرت فيها فرنسا الاستعمارية تجاربها النووية بداية من 1960 وما زالت أجواؤها مشبعة بالإشعاع النووي).
وقتها، لم يكن واضحا أن الرجعية العربية متورّطة (إلى جانب فرنسا بالطبع)، في وأد حلم الجزائريين في الحكم الديمقراطي، ولا في أن الثورات المضادّة لربيع العرب قد انطلقت عمليا من الجزائر قبل اندلاع الربيع العربي نفسه بعقدين، حتى اعترف وزير الدفاع وقتها، الجنرال خالد نزار، في مذكراته عن دور سعودي فاعل في تأييد الانقلاب، وتمويل مأساة "العشرية السوداء"، عندما ذكر تفاصيل لقائه بملك السعودية، فهد بن عبد العزيز، عقب الانقلاب، وأن الأخير قال له حرفيا "إن الإسلاميين ليسوا مسلمين، والحل الوحيد معهم هو العصا.. العصا.. العصا".
بعدها، لم تأخذ الثورة المصرية التي جاءت مزهوةً في أعقاب اندلاع ثورات الربيع عام 2011 بهذا الدرس الجزائري الكبير، على الرغم من ارتفاع أصوات كثيرة في مصر نفسها، تحذّر من تكرار النموذج الجزائري، أو مما يمكن تسميتها "جزأرة مصر"، ولم تلبث التجربة أن تم وأدها بالطريقة الخبيثة نفسها، بعد تشكيل جبهة الإنقاذ المصرية، من التيارات الأيديولوجية نفسها تقريبا التي شكلت "لجنة إنقاذ الجزائر"، إثر الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي، ثم لتكون "الواجهة المدنية" للانقلاب العسكري الذي أعلنه الجنرال عبد الفتاح السيسي ضد أول رئيس عربي منتخب في 30 يونيو/ حزيران 2013 .. وكان الانقلاب في مصر نسخة كربونية عن نظيره الجزائري، من حيث الدور القذر للبترودولار، وعصا العسكر التي كانت بحاجة إلى غطاء مدني.
ولا يتوقف الأمر عند التسميات التي تصادف أنها تشابهت في الجزائر ومصر وتونس، ذلك أن 
"جبهات الإنقاذ العربية" السوداء، وهي أقرب ما تكون إلى جبهاتٍ للخراب المنظم، الذي تقف خلفه قوى مالية وإعلامية ضخمة، من داخل الوطن العربي، باعتبارها أدوات منفذة، ومن خارجه، باعتبارها قوى مخطّطة، تتناسل وتتحرّك وتنتشر أحيانا أخرى بمسمياتٍ مختلفة، لكنها تلتقي في الهدف النهائي، وهو إجهاض كل محاولات النهوض والممارسة الديمقراطية، وتدمير إرادة التغيير، كي لا تشكّل نماذج ناجحة، يمكنها أن تنتقل فيما بعد إلى بلدان أخرى. وقد ظهر جليا، في السنوات الأخيرة، أنها تخدم مشروعا صهيونيا، بإعلانها أخيرا صداقتها له، في مقابل إعلان عداوتها السافرة لتركيا بوصفها نموذجا إسلاميا ديمقراطيا.
إننا نرى أفعال "جبهات الإنقاذ" التخريبية واضحة في بلدان عربية أخرى كثيرة، حتى وإن غابت المسميات التي نحن بصددها الآن، ذلك أن جبهة الخراب نفسها هي التي دمّرت العراق ما بعد صدام حسين، وهي التي ضربت في الظهر الثورة السورية ضد ديكتاتورية بشار الأسد، الذي تحول فجأة من عدو إلى حليف، وهي من تدعم انقلابيا فاشلا في ليبيا، وهي التي أجهضت ثورة الشعب اليمني، وجعلته يعود إلى العصر الحجري، وهي من أجهضت ثورة الشعب السوداني، وسلمته لسلطة العسكر والجنجويد، وهي التي ترفع الآن الصوت عاليا لإسقاط الحكومة المغربية المنتخبة، بعد أن رفضت أن تنساق وراء أطروحات أبوظبي.
لهذا يعد "بنك الأعداء" بالنسبة لهذه الجبهات المختلفة، الناشئة في بيئات الكولسة والتآمر، علاوة على التجربة الديمقراطية في حد ذاتها، وفكرة أن تتولى الشعوب تقرير مصيرها بنفسها، هي بالتحديد القوى الإسلامية حصرا، فلم تشفع لإسلاميي الجزائر قبل ثلاثة عقود أنهم كانوا من "السلفية"، قبل أن يتحول الضرب ناحية تيار الإخوان المسلمين، حيثما كان في مصر وليبيا وتونس (النهضة) واليمن (الإصلاح) والسودان (المؤتمر الوطني) والمغرب (العدالة والتنمية).. بما يعني اتساقا واضحا مع شبه الردة الحاصلة اليوم، حتى في الجوانب العقدية، ومحاربة مظاهر التدين نفسها، وتشجيع الانحلال حتى داخل أطهر الأماكن الإسلامية المقدسة، والسبب في ذلك أن الإسلام كدين يشكل عنصر المقاومة الأول للأمة، لكل أشكال الاستبداد والعمالة.
ولعل الدرس الأكبر من كل ما سبق، أن قوى الشر والانقلاب أدركت أن الواجهة العسكرية
 الصرفة للانقلابات، باتت مكشوفةً ومرفوضةً في العالم، فاهتدت إلى فكرة صناعة "الإخراج المدني"، ما يعني أن الحركات التي تظهر كونها شعبية في الشارع لا تنتمي بالضرورة إلى الشعب، إنما قد تكون هي أعدى أعداء الشعب، حتى وإن تخفت بأروع الشعارات، وحملت لواء الدفاع عن الحريات.
نعم، كانت لجنة إنقاذ الجزائر من جبهة الإنقاذ التي انتخبها الشعب الجزائري قبل أكثر من ثلاثة عقود، وبعدها الصور الجوية المضخمة التي قام بها المخرج خالد يوسف لتظاهرات 30 يونيو 2013 في مصر، إنذارات مبكرة لكل العرب لم يتم استيعاب مدلولاتها في حينه، ذلك أن الحشود الشعبية أيضا يمكن فبركتها، كما يمكن تحريكها بالريموت كونترول، لتسير ضد حركية التاريخ وإرادة الشعوب الحقيقية التي أفرزتها صناديق الانتخابات.
ويبقى الأمل أن فشل المحاولة في إجهاض التجربة الديمقراطية في تونس، وبالتالي الفشل في كسر حركة النهضة، والفشل في إسقاط الحكومة المغربية، وانكسار شوكة خليفة حفتر في ليبيا، وتعثر محاولات ابتلاع اليمن، مؤشراتٌ مهمةٌ على بداية ضياع "جبهات الانقاذ"، والتي عليها الآن أن تفكر أولا في إنقاذ نفسها، قبل محاولة إنقاذ الأوطان عبر تدميرها.. وتلك مرحلة جديدة تلوح، بعد أن بدأت الشعوب تأخذ الدروس الكافية من كل ما حصل، وبدأت في اكتساب المناعة الطبيعية ضد فيروسات سياسية مصنّعة في مخابر "الاستبداد والخيانة".