"جائزة الشيخ حمد للترجمة" والمثقف الصومالي

10 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
الترجمة من جسور التلاقح الحضاري والتواصل الثقافي بين الأمم، وهي بوصفها حركة ثقافية لا تتطور إلا بتطور لغات الأمم التي تُتداول فيما بينها، وبالتالي هي أيضاً مرتبطة بتقدّم أمتها، فتراجع العربية إلى المرتبة الرابعة في مصاف اللغات العالمية هو نتيجة انكسار ثقافي وانحسار للغة الضاد، على الرغم من حظوتها البالغة وثرائها، باعتبارها أغنى لغة عالمية. ومشروع جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي محاولة جديرة بالاهتمام من أجل التقاط الأنفاس من جديد، لربط العربية باللغات الأخرى من خلال الترجمة، فلو لم تكن الترجمة لما استفدنا من ترجمات ابن المقفع وغيره، فكتابه كليلة ودمنة، وكذا حكايات ألف ليلة وليلة، من ترجمات امتزجت بأدب القصص الشعبية الروائية التي ترجمت إلى لغات عديدة، وهذا ما يؤكد أن الترجمة ملتقى الحضارات والثقافات والتفاهم بين الأمم.
برزت، في اختتام أعمال الدورة الخامسة لجائزة الشيخ حمد، الأحد الماضي (8/11/2019) المالايامية (لغة سكان كيرلا جنوب الهند) في فئة الإنجاز، بالترجمة منها وإليها، فيما منحت الجائزة لفئة المعاجم لعبدالرحمن عبدالله بري، لإنجازه معجما صوماليا عربيا. وكانت كتب مترجمة من الصومالية وإليها قد وصلت إلى إدارة الجائزة، إلا أنها لم ترق إلى المستوى المطلوب، ما حال دون أن يصل المترجمون الصوماليون إلى المرحلة النهائية، الأمر الذي يُشعر أي مترجم أو مثقف صومالي بخيبة أمل، ليتساءل، بإلحاح، عن دور المثقف
الصومالي في نقل ثقافة بلده ومجتمعه، وترجمتها إلى اللغات الأخرى، خصوصا العربية. وذلك على الرغم من أن الأدب الصومالي غني بكثير من الأشعار والأمثال والقصص الشعبية، ناهيك عن الشعر الصوفي المشبع بالروحانيات والابتهالات النبوية.
إلى متى ستظل أزمة المثقف الصومالي متلبسة بالمعضلة السياسية والاقتصادية؟ الواضح أنه لم يعد يدرك ما يدور من حوله من تواصل متنوع بين الأمم، خصوصا العربية منها، فالجوائز الأدبية في الوطن العربي تنتشر وبكثافة، غير أنها لا تجد جهداً صومالياً أدبياً لتكريمه، وهذا من بين أمورٍ تجعل الثقافة الصومالية إرثاً مغيباً ومفقوداً، ولا تكاد توجد أمة من دون ثقافة أو حضارة. وقد أثرت الحرب الأهلية والظروف السياسية والأمنية في الصومال، في مجالات متعددة، منها الحركة الثقافية. ولكن ما هو شائك حقاً أن التعليم في الصومال كان مستمراً، وهنا علامات استفهام كثيرة فيما يتعلق بعدم بروز مثقفين قديرين في العلوم الإنسانية والاجتماعية من هذه المراكز التعليمية (الجامعات والمدارس)، بقدر ما يكثر في المشهد التعليمي حملة الشهادات في الطب والهندسة وعلوم الحاسوب. وهذا أمر يتسبب في ضحالة ثقافية فكرية ستؤثر ارتداداتها في الثقافة الصومالية، 
وهو ما يستدعي إعادة النظر في العملية التعليمية ومراقبة جودة التعليم في البلاد.
تتجدّد ثقافات الأمم وتتطور بقدر الجهود المبذولة من أجل هذا، فتوقّف الإنتاج الحضاري والثقافي لا يقل خطورة عن الانهيار الاقتصادي والسياسي، فأزمة غياب الوعي لدى السياسي الصومالي نتاجها غياب دور المثقف الصومالي في توجيه البوصلة، أو غيابها الكلي عن المشهد السياسي، وانحساره في جدران مشكلاته الخاصة، الأمر الذي يترجمه تفاقم أزمة مسؤولية المثقف في المجتمع المحلي.
يرتبط مشروع القومية والهوية الوطنية بقضايا التعليم بشكل مثير للدهشة، إذ سيؤثر عدم ترسيخ مشروع الهوية وتأطير القومية في العملية التعليمية، لأي مجتمع ما، في الإنتاج الثقافي الأدبي والفكري. ولذلك، لمعضلة المثقف الصومالي علاقة مباشرة بآليات التعليم ووسائل التدريس في المدارس والجامعات، فتأطير الرسالة الثقافية وقيمها في ذهنية الطالب غابت بالفعل، ولم يعد لها مكان في المنهجية التعليمية.
وقد حظيت جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي بمكانتها العالمية، وكذا لدى المترجمين والمثقفين العرب وغيرهم. ويعد إدراج اللغة الصومالية ضمن فئة جائزة الإنجاز في الدورة الخامسة (العام 2019)، حدثاً أيقظ همم كثيرين، غير أن جذوة هذه الهمة اصطدمت بعدم وصول الكتب التي ترجمها صوماليون (بين العربية والصومالية)، وهذا نتيجة قلة الكتب التي 
شاركت الجائزة، فمعظمها قصص ومختارات أدبية. والمأمول أن تُتاح فرصة جديدة للغة الصومالية في الدورات المقبلة، وهذا ما يوجب على المثقف الصومالي ترجمة ما يستحق، وإيلاء قدر كاف من الاهتمام بالترجمة، خصوصا في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
الترجمة عمل حضاري وثقافي، لا يخلو من متاعب وآلام عسيرة، ذلك أنها تتطلب مراعاة دقة النص المترجم (نص المصدر) والحفاظ على موسيقية النص الذي يترجم إليه، وهي بمثابة مقبض باب مفتوح المصراعين، فإذا فتحتها للداخل تتعمق أكثر في حضارات أخرى، وإذا فتحتها للخارج تبتعد عن تلك المفاهيم الحضارية والثقافية. وبالعكس هي أداة، إذا تولاّها مترجم بارع، لنقل رسالة الكاتب بأمانة علمية. ولكن إذا فسدت الترجمة يأتي الخبط والخلط من شتى الاتجاهات.
أعطت جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي أولوية قصوى لتجديد الحركة الثقافية، ذلك أن باحثين ومترجمين يعتقدون أن اللغة العربية لم تعد منتجة، بقدر ما أصبحت لغة مستهلكة، وبإفراط شديد. ومع مرور الزمن، فإن الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى والعكس ستدعم جسور التواصل بين الأمة العربية وغيرها من الأمم، ومنها الصومالية التي يقف مثقفوها على عتبة الخروج من غياهب "القوقعة" إلى آفاق التلاحم الثقافي.
3F6C2AC1-09AD-4357-AA15-D946B74B0C95
الشافعي أبتدون