"تليغراف": غاز الأعصاب وضع بأمتعة ابنة الجاسوس قبل مغادرتها موسكو

16 مارس 2018
الصورة
محققون بريطانيون في موقع الحادثة (كريس جيه راتكليف/Getty)
أفادت صحيفة "ذا تليغراف" البريطانية، نقلاً عن مصادر لم تسمها، بأنّ غاز الأعصاب الذي استُخدم في تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال، وضع في حقيبة ابنته قبل أن تغادر موسكو.

وعُثر على سكريبال (66 عاماً)، وابنته يوليا (33 عاماً)، فاقدي الوعي، خارج مركز تجاري في مدينة سالزبري، بجنوب بريطانيا، في 4 مارس/آذار الجاري، ونقلا إلى المستشفى حيث يرقدان في حالة حرجة منذ ذلك الحين.

وبحسب شرطة مكافحة الإرهاب، فإنّ يوليا سكريبال سافرت من موسكو إلى لندن يوم الثالث من مارس/آذار.

وقالت الصحيفة نقلاً عن المصادر، إنّ المحققين البريطانيين يجرون تحقيقاتهم بناءً على فرضية تفيد بأنّ قطعة من ملابس، أو أدوات زينة، أو هدية مشبعة بالمادة السامة، فُتحت في منزل سكريبال في سالزبري.

وقالت بريطانيا إنّ المادة السامة، التي تعرّض لها أيضاً شرطي بريطاني في الموقع، هي غاز الأعصاب القاتل "نوفيتشوك" الذي كان الجيش السوفييتي أوّل من طوره.

وبعد أول استخدام معروف لسلاح من هذا النوع، في هجوم على أراض أوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، ألقت بريطانيا باللوم على موسكو، وأمهلت 23 روسياً، قالت إنّهم جواسيس يعملون تحت غطاء دبلوماسي بالسفارة الروسية في لندن، أسبوعاً للرحيل.

روسيا تتوعّد

واليوم، الجمعة، توعّدت روسيا بالرد بالمثل على طرد بريطانيا دبلوماسيين روسا، على خلفية اتهام لندن لموسكو بالوقوف وراء تسميم سكريبال.

وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أنّ موسكو ستقوم بطرد دبلوماسيين بريطانيين رداً على قرار لندن طرد 23 دبلوماسياً روسياً على خلفية قضية تسميم سكريبال.

وقال لافروف للصحافيين، رداً على سؤال حول ما إذا كانت روسيا سترد بالمثل على قرار الطرد الذي أعلنته رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي: "بالطبع سنقوم بذلك".

ورداً على سؤال من وكالة "رويترز"، خلال اجتماع أستانة حول سورية، في عاصمة كازاخستان، عن عزم موسكو على طرد دبلوماسيين بريطانيين، قال لافروف "بالطبع سنفعل". ولم يذكر مزيداً من التفاصيل، إلا أنّ الوكالة ذكرت أنّ لافروف تحدّث عن أنّ بلاده ستطرد ثلاثة دبلوماسيين بريطانيين، رداً على قرار لندن.
وأعلنت ماي، الأربعاء، طرد 23 دبلوماسياً روسياً من المملكة المتحدة، بعد أن اعتبرت روسيا "مسؤولة" عن تسميم سكريبال في بريطانيا. وأعلنت أيضاً "تعليق الاتصالات الثنائية" مع موسكو التي كان لديها حتى الآن 59 دبلوماسياً معتمداً في المملكة المتحدة.

كما أعلنت ماي عن عدم مشاركة أفراد من العائلة المالكة أو وزراء في كأس العالم لكرة القدم في روسيا، بين يونيو/حزيران، ويوليو/تموز المقبل، رداً على الحادثة.

وجاءت تصريحات ماي عقب اجتماع لمجلس الأمن القومي، بحث إجراءات الرد على روسيا، في ظل غياب توضيحات من موسكو حول تسمم سكريبال.


"ينقصه التهذيب"

كما اعتبر لافروف أنّ وزير الدفاع البريطاني جافين وليامسون "ربما ينقصه التهذيب"، وذلك رداً على قول وليامسون، في وقت سابق، إنّ روسيا ينبغي أن "تغرب عن وجهنا وتخرس".

وأضاف لافروف أنّ "موسكو لم تعد تهتم بالتعليقات الصادرة من بريطانيا بشأن مزاعم تسميم الجاسوس التي تنفيها روسيا".

وفي السياق، نقلت وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء، عن ألكسندر ياكوفينكو، سفير موسكو لدى بريطانيا، قوله، اليوم الجمعة، إنّ روسيا ستمارس أقصى قدر من الضغوط على لندن.

ونقلت الوكالة عن ياكوفينكو قوله إنّ "23 دبلوماسياً روسياً طردتهم لندن بسبب الأمر يمثلون 40 في المئة من العاملين، وهو ما سيؤثر بشكل خطير على عمل السفارة".

وفي مقابلة مع تلفزيون "روسيا 24"، اتهم ياكوفينكو بريطانيا بتصعيد عدوانها على موسكو بهدف تشتيت انتباه الرأي العام، بعيداً عن الصعوبات في إدارتها لخروج البلاد من الاتحاد الأوروبي في عام 2019.


إلى ذلك، نقلت وكالة الإعلام الروسية عن نائب وزير الخارجية قوله، اليوم الجمعة، إن موسكو تتوقع أن تتخذ بريطانيا والولايات المتحدة وحلفاؤهما قريباً خطوات جديدة في ما يتعلّق بالقضية.

ونقلت الوكالة عن نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف قوله إنّ روسيا لا تزال تعرض الحوار على لندن وواشنطن.

وفي شأن آخر، قال ريابكوف إنّ موسكو ستردّ على حزمة عقوبات أميركية جديدة، بتوسيع قائمتها السوداء للأميركيين.

ونسبت الوكالة لريابكوف قوله إنّ روسيا ستستخدم مبدأ التكافؤ في ردها على العقوبات، التي فرضت عليها بزعم تدخلها في الانتخابات الأميركية وشن هجمات إلكترونية، لكن موسكو لا تستبعد أي إجراءات إضافية.

وقال ريابكوف إنّ موسكو تريد الإبقاء على الحوار مع واشنطن، وإنّ الأشخاص الذين يريدون تدمير العلاقات مع روسيا في الولايات المتحدة "يلعبون بالنار".

وأمس الخميس، أصدر قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة بياناً مشتركاً يدين الهجوم بغاز الأعصاب على سكريبال وابنته، ويلقي باللوم على موسكو، بينما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات جديدة على أشخاص وهيئات روسية مرتبطة بعمليات قرصنة.

وكانت السلطات الروسية قد سجنت سكريبال لبيعه أسراراً روسية إلى بريطانيا، إلا أنّها أفرجت عنه وسلمته إلى بريطانيا في إطار صفقة تبادل جواسيس في 2010، وقد استقر بعد ذلك في مدينة سالزبري.


انتقادات لكوربن

من جهة أخرى، حذر جيريمي كوربن زعيم حزب "العمال" البريطاني المعارض، من أن تؤدي "الاتهامات المتسرعة" التي وجهتها الحكومة البريطانية ضد روسيا، إلى حرب باردة جديدة، مذكراً بحرب العراق وضعف الأدلة التي دفعت بها إلى غزوه.

كما انتقد كوربن، في مقال نشرته صحيفة "ذا غارديان" المقربة من الحزب، "جو الترهيب المكارثي ضد المعارضة" حيث كان قد تعرض لانتقادات لاذعة من نواب من حزبه، إضافة إلى الأحزاب الأخرى، وذلك لاتهامه الحكومة بالتسرع في فرض العقوبات على روسيا.

وقال كوربن إنّ "الأدلة تشير إلى تورط روسيا" في محاولة اغتيال سكريبال، مجدداً في الوقت عينه، رفضه إدانة روسيا في الحادثة، مذكراً بفرضية ماي بأنّ المادة السامة قد تكون سربتها المافيا الروسية من دون علم السلطات، وحث الوزراء على "عدم استباق الأدلة" مذكراً بالملفات التي تم تقديمها كأدلة تبرر غزو العراق عام 2003.

وقال "أما أن نستبق الأدلة التي تجمعها الشرطة، في جو برلماني محموم، فلا يخدم العدالة أو أمننا الوطني"، مضيفاً "كما قلت في البرلمان، يجب أن تتحمل السلطات الروسية المسؤولية بناء على الأدلة، ويجب أن يكون ردنا حاسماً ومتناسباً".

ويأتي مقال كوربن، بعد أن علت الأصوات المنتقدة لموقفه بين صفوف حزبه، فقد خالفه الرأي وزيران في حكومة الظل العمالية التي يرأسها، محملين روسيا المسؤولية كاملة عن الاعتداء، كما خرج نحو 20 نائباً عمالياً من الصفوف الخلفية للحزب، يدعمون فيها موقف ماي كلياً.

ونفى أن يكون حزبه داعماً لنظام بوتين، متهماً منتقديه بمحاولة افتعال المشاكل لإسكاته وتحقيق "مكاسب سياسية". وقال "دعونا لا نختلق شقاقاً غير موجود حول روسيا. حزب العمال بالتأكيد لا يدعم نظام بوتين، أو استبداده المحافظ، أو انتهاكه لحقوق الإنسان أو فساده السياسي والاقتصادي"، وأضاف "ولكن ذلك لا يعني أن نتجه إلى حرب باردة جديدة نرفع فيها من إنفاقنا على السلاح والحروب بالوكالة عبر العالم والرفض المكارثي للمعارضة. بل يجب على بريطانيا الالتزام بقيمها وقوانينها من دون تحفظ".

وختم بالقول إنّ "دبلوماسية الحكومة الحالية تخذلنا. فالدعم غير المشروط لدونالد ترامب، وفرش البساط الأحمر للطاغية السعودي محمد بن سلمان، لا يعدان خيانة لقيمنا فقط، بل يجعلاننا أقل أمناً".


إسرائيل تمتنع

من جهة أخرى، ذكر موقع "يديعوت أحرونوت"، اليوم الجمعة، أنّ حكومة الاحتلال الإسرائيلي امتنعت عن تسمية روسيا باعتبارها الطرف المسؤول عن تسميم سكربيال، على الرغم من تلقيها طلباً رسمياً من بريطانيا.

وقال الموقع إنّ إسرائيل، وخوفاً من إغضاب روسيا، بسبب الدور الاستراتيجي الذي تلعبه الأخيرة في سورية، امتنعت عن الاستجابة لطلب السفير البريطاني لدى تل أبيب عند لقائه بمستشار الأمن القومي، مئير بن شبات، أول أمس الأربعاء.

واكتفت إسرائيل بإصدار بيان رسمي جاء فيه أنّ "إسرائيل تنظر بخطورة للعملية وتستنكرها بشدة. ونأمل أن يتمكّن المجتمع الدولي من التعاون لمنع تكرار حوادث كهذه في المستقبل".

وأوضح الموقع أنّ إسرائيل ردّت الطلب البريطاني بأن يوجّه الاستنكار أصابع اتهام واضحة لروسيا ومسؤوليتها عن العملية

وكشف الموقع أنّ "السفير البريطاني لدى تل أبيب أوضح لمئير بن شبات، حقيقة موقف لندن من العملية الروسية على الأراضي البريطانية، كما طرح الموقف نفسه خلال لقاءات له مع عدد آخر من المسؤولين الإسرائيليين، موضحاً أنّ حكومة بلاده تتوقع من إسرائيل أن تستنكر مسؤولية روسيا عن العملية".

لكن الحكومة الإسرائيلية تجاهلت، بحسب الموقع، الطلب البريطاني، وقرّرت في ختام مشاورات في ديوان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الاكتفاء ببيان شجب مقتضب، لا يذكر ولا يشير بأي حال لروسيا، كما تقرر أن يصدر البيان عن وزارة الخارجية وليس عن ديوان نتنياهو، وذلك لتفادي أي توتر مع موسكو.


ويأتي ذلك في ظل تنامي التنسيق الإسرائيلي مع روسيا في سورية، منذ سبتمبر/أيلول عام 2015، والذي تجلّى أيضاً بعقد لقاءات متكررة بين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كان آخرها جرى مطلع الشهر الماضي، خلال زيارة نتنياهو لروسيا.

وكان نتنياهو توصّل، في العام 2015، إلى تفاهم مع الرئيس الروسي، تمخّض عن تشكيل آلية تعاون وتنسيق عسكرية مشتركة، بهدف منع وقوع اشتباكات أو معارك جوية بين طيران الاحتلال وبين الطيران الروسي في الأجواء السورية.