"تعا ولا تجي": هل تخلق العروض متعددة الثقافات حواراً فعالاً؟

08 سبتمبر 2019
الصورة


يقدم العرض بـ 4 لغات (العربي الجديد)
هل تخلق المشاريع الثقافية فعلًا حالة حوار ثقافي؟ أم أنها غير مجدية لأن الجمهور لا يغير قناعاته؟  
يُقدم على خشبة مسرح في مدينة روتردام الهولندية منذ 3 وحتى 13 سبتمبر/أيلول الجاري عرض يسلط الضوء على الصراع الثقافي والحضاري بين الشعوب، وعلى القوالب النمطية التي يشكلها كل شعب عن الآخر.

يمثل في المسرحية 3 ممثلين سوريين هم بسام داوود وأحمد الحرفي ورامز بشير، و3 ممثلين هولنديين و5 ممثلين ألمانيين، وممثلة عراقية تؤدي دور مخرجة المسلسل، ويحمل عناوين عدة من بينها العنوان الألماني "هيتي هيتي فارادغيتي" والعربي "تعا ولا تجي" وآخر هولندي، وجميعها تصب بالمثل الشعبي القائل "تيتي تيتي متل ما رحتي متل ما جيتي".

وفي حديث خاص مع "العربي الجديد"، قال الفنان بسام داوود: "تعتبر فكرة الصراع الحضاري بين الشعوب والقوالب النمطية، جوهر العرض الذي قدم ظاهريًا بقالب كوميدي يطرح الفكرة، بحيث يحضر الجمهور عرضًا كوميديًا لطيفًا، وتصل إليه الأفكار الأساسية بشكل غير مباشر".

ينقسم العرض إلى مستويين، يكون الجمهور في المستوى الأول جالسًا في استديو لحضور تصوير مسلسل كوميدي عن قصة شاب سوري يعيش في ألمانيا، ويعمل في ورشة تصليح دراجات هوائية، يملكها رجل ألماني يحمل بعض الأفكار العنصرية، ثم يزوره صديقاه السوريان المقيمان في هولندا، ولأنه يشعر بالخجل من إخبارهما بأنه عامل في الورشة، يدعي أنه مالكها، وأنّ الرجل الألماني يعمل لديه، وتبنى الكوميديا، إلى حد ما، على تلاعب الشاب بالترجمة بينهم.







لدى مالك الورشة الحقيقي ابنة تقع في غرام السوري القادم من هولندا، وتنشأ بينهما قصة حب تثير غضب والدها الذي يحاول عرقلة هذا الأمر بشتى الطرق. وبالتزامن مع هذا يظهر سياح هولنديون يتنقلون على الدراجات الهوائية، ويمرون على الورشة لاستئجار دراجات، فيتواصلون مع السوريين القادمين من هولندا لأنهم جميعًا يفهمون اللغة نفسها، ويدعونهما للعشاء في المخيم ويتحاورون بعدة مسائل تتعلق باختلاف الثقافات حول الزيارات والعلاقة مع الضيوف.


يعتمد المستوى الأول للعرض على "الكليشيهات" (الأفكار النمطية التي يمكن التنبؤ بها) والمبالغة في كل شيء، في حين يبنى المستوى الثاني للمسرحية على المشاهد التي تجمع ممثلي المسلسل مع بعضهم بعد التصوير، وقبل التحضير للمشاهد أو بين مشهد وآخر. يوضح داوود: "نظهر في هذا المستوى بشخصياتنا الحقيقية تقريبًا، ونعترض على الصور النمطية ونتناقش لماذا تقدم مشاهد المسلسل بهذه الطريقة، وكيف تؤثر على السوريين وعلى الصورة النمطية العربية، ونتساءل عما إذا كان العرب الموجودون في أوروبا منذ زمن، قد تعاملوا مع العرب القادمين حديثًا بشكل صحيح".

وبذلك، تبنى المسرحية على التنقل بين المستويين، الأول القائم على المبالغة، والثاني الواقعي والذي تطرح وتناقش فيه الأفكار.



طرح فكرة المسرحية أعضاء بفرقة "فوندابارن" الهولندية الذين تواصل معهم الممثل السوري أحمد الحرفي المتواجد بهولندا، ليتعاون الجميع بعدها في كتابة النص، ثم انتقى الممثلون الذين سيجسدون الشخصيات، بعد وضع الإطار العام للمسرحية. يقول داوود: "بنيت المشاهد عبر ارتجال الممثلين، كنا نتناقش بأننا سنطرح فكرة أو حبكة معينة ثم نرتجل ونسجل المشهد بالطريقة التي نتفق بها عليه، ونرسله للترجمة". وتابع: "يجدر بالذكر أنّ الإنتاج مشترك بين فرقة "فوندابرن" الهولندية ومسرح مدينة ينا".

يقدم العرض بـ 4 لغات، العربية والألمانية والهولندية، وأيضًا باللغة الإنكليزية في المشاهد التي تجمع كل الممثلين مع بعضهم، وتترجم المسرحية على الشاشة إلى لغتين، فعندما يكون المشهد محكيًا باللغة العربية يترجم إلى الألمانية والهولندية وهكذا، إلا أنّ المشاهد المقدمة باللغة الإنكليزية لم تترجم، باعتبار أنها لغة يفهمها الأغلبية.


يقول داوود: "يعتبر العرض نقلة نوعية جديدة عن الأعمال التي اعتدنا مشاهدتها في السنوات الماضية، والتي بني معظمها على فكرة اللجوء وطريق السوريين إلى أوروبا والمشكلات التي يعانون منها خلال رحلتهم، حيث يعالج حياة السوريين ووجودهم في أوروبا، وكيفية تعاطيهم مع المجتمعات الجديدة التي صاروا جزءًا منها". ويتابع: "يعالج العرض أيضا طريقة تعامل العرب المقيمين بأوروبا منذ زمن طويل، مع العرب الواصلين حديثًا، وكيف ينظر لبعض السوريين بشكل عام على أنهم "محظوظون لأنهم وصلوا إلى هنا، ولما يقدم إليهم"، مع تجاهل تام لما عانوه وما بذلوه، وانطلاقًا من ذلك يطرح العرض تساؤلًا: "أين هو الحظ في أن ينفى الإنسان وتدمر بلده ويضطر للهجرة منها، أين هو الحظ في أن يكون الإنسان ملاحقًا أو مهددًا بالاعتقال، وعائلته تحت خطر الموت في أي لحظة!".



يتفرد العرض أيضًا بفكرة أخرى طرحت بطريقة طريفة، وهي عدم جدوى ابتكار البعض لتاريخ وهمي لهم ليثبتوا وجودهم، في زمن أصبح فيه اكتشاف الكذب متاحًا بعدة طرق من بينها الإنترنت، ومن الأفكار الأخرى التي طرحت في المسرحية، فكرة مدى فائدة المشاريع الثقافية متعددة الجنسيات والثقافات، ومدى انتقائية الجمهور لما يود فهمه عن العمل الفني، أي أنّ البعض يحضرون الأعمال الفنية، ثم يقتصون منها الرسائل التي يودون أن تصلهم والتي توافق قناعاتهم، حتى لو لم تكن هي ما يود مبتكر العمل التوصل إليه.

كما يطرح العرض تساؤلات عن الألمان، هل هم شعب طريف أم لا؟ هل يتجاوبون مع الدعابات أم لا؟ وخصص مشهد كامل لانتقاد جدية الألمان بشكل مبالغ فيه، لدرجة أنهم غير قادرين على خلق نكتة طريفة، في حين يناقش مشهد آخر مدى ترحيب الوسط الفني في ألمانيا بالفنانين الأجانب، وما إذا كان يقدم المساعدة لهم بحدود، أم أنه يتهرب من هذه المسؤولية.